محمد إسماعيل اللباني
لماذا نشعر بالخوف من ارتياد الأماكن الجديدة أو مقابلة أناس جدد؟ أو على الأقل، لماذا نحس بالتهيب والتوجس من ملاقاة أي جديد مهما كان نوعه؟.. هل معرفتنا بالأماكن والأشخاص والأشياء تمنحنا قوة من نوع ما؟ هل التعود يحمينا من قسوة المواجهة مع الأشياء الجديدة؟
المعرفة قوة، والجهل ضعف.. فمعرفتنا بشيء تجعلنا لا نخاف مواجهته بقدر مبالغ فيه، مهما كانت قوته، ومهما كان مهدداً لشيء متصل بوجودنا ومعيشتنا، وجهلنا بشيء آخر يجبرنا على التوجس منه، مهما كان في طبيعة مكوناته الأساسية غير ضار لنا أو لا يمثل خطراً علينا من نوع ما، بل قد يكون مفيداً لنا في بعض الأحيان أن نتعرف مكوناته.
الإنسان مفطور على التلاؤم والألفة ويحب التعود على الأشياء والطمأنينة لها، ووسيلته لتحقيق ذلك هي المعرفة، فالمعرفة أداة نستطيع بها أن نقتحم المجهول، ونعرف خبايا الأشياء والناس، ولكننا قليلاً ما نمتلك القدرة الملائمة على استغلال المعرفة، أو بمعنى أدق، لا نجد في أنفسنا الطاقة الكافية للوصول إلى المعرفة التي تزيل حجب الجهل، وتبعد عنا أشباح المجهول.
فلا أحد يحب الجهل، ولكن لا يمتلك الجميع القدرة للسعي من أجل القضاء عليه، فبعضنا ينتظر أن تأتيه المعرفة وهو جالس في مكانه، وبعضنا يحب من يقدم له المعرفة جاهزة دون أن يبذل مجهوداً يذكر، ولكن القليل منا مَن يقتحم أهوال النفس التي تشده للكسل ويتسامى إلى مراتب الباحثين عن المعرفة، أو المتطلعين إلى الحقيقة.
المعرفة ثروة نستخدمها وقتما نشاء، فنحصل من خلالها على قتل الخوف من المجهول، أو التبصر الواعي بما يدور حولنا، أو النظر العميق لطبائع الشخصيات وأخلاقيات الناس، أو نستثمرها في تحصيل منافع مادية نحتاج لها في حياتنا. وثورة المعلومات التي أطاحت بكل الثورات السابقة عليها، سواء أكانت الثورة الزراعية أو الثورة الصناعية، استطاعت أن تُحدث نقلة حضارية واسعة في خلال عدد محدود من السنوات.. لماذا؟ لأنها ثورة المعرفة، أي ثورة العلم، وثورة الوعي؛ لذلك فقد ظهرت مصطلحات تصف عصرنا بملامح هذه الثورة المعلوماتية فيطلق على المجتمعات التي تنتج المعلومات "مجتمعات المعرفة" وهي المجتمعات التي تقود عصرنا الحاضر، وهي التي من المنتظر أن تسيطر على مجتمعات المستقبل، فحتى مجتمعات القوة العسكرية لم تعد تمثل قيمة إن لم تكن هذه القوة قائمة على المعرفة (بمعناها المعلوماتي والتقني والتطبيقي والتكنولوجي).
لكن ما أغلب ظواهر استخدام المعرفة في مجتمعاتنا، وخاصة في وسائل الإعلام؟ إنها المعرفة التي تقوم على السرعة والتعجل والقشور، فالمسابقات التي تزدحم بها الفضائيات تقدم المعلومات التافهة بدأب وإصرار، والمتربعون على قمة الهرم المعرفي في شتى المجالات: الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية يسعون إلى إيصال المعرفة القائمة على الوهم أكثر منها معرفة قائمة على الوعي، فكل من امتلك منبراً إعلامياً يخاطب الجماهير من خلاله يحاول بشتى الطرق الممكنة أن يثبت نقطتين في غاية الأهمية بالنسية له: النقطة الأولى، أن يثبت للناس أنه الأعلم والأشهر والأقدر من غيره على معالجة كل ما يطرح عليه من أسئلة. والنقطة الثانية، أن يعرض رأيه في شكل حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل ولا تتحمل المناقشة. والجالسون أمام القنوات الفضائية يشتد إعجابهم بمن تتوافر لديه القدرة على توكيد هاتين النقطتين، على الرغم من أنه بسلوكه هذا يكون ضد العلم وضد المعرفة، فهم جالسون في أماكنهم لا يريدون أن ينشغلوا بالتفكير بين آراء مختلفة فيعجبهم من يعرض رأيه بالقوة الكاملة ودون أن يسمح لغيره بالاختلاف في الرأي، وكل فرد من المشاهدين له "خريطة" مشاهدة محددة لا يريد أن يشتت نفسه في غيرها، ولا يسعفه الوقت لمتابعة مئات القنوات، بل لم يتدرب على التعامل مع مختلف مصادر المعرفة (من جرائد ومجلات وكتب وشبكة معلومات وحياة يومية) فيُعجب بمن تصادف أن يكون المتحدث واقعاً في محيط خريطته، فيتيه إعجاباً به ولا يسمح لنفسه بالتفكير في رأي مخالف، فيفقد القدرة على التفكير الذاتي من ناحية، كما يفقد القدرة على الموازنة بين مختلف الآراء من ناحية أخرى.
وبناء على ممارساتنا في مجال تلقي المعرفة وتناقلها، هل نحن بحق نتعامل مع المعرفة على أساس أنها مصدر قوة؟ أم نتسلى بها ونلوكها في أفواهنا لإضاعة الوقت، مثل أحاديث النميمة، دون أن نقدِّر قيمة الكلمة أو مسؤولية المعلومة أو خطورة المعرفة؟!
لماذا نخاف منكُل ما هو جديد ؟
ردحذفلان الحميميه التي تعطينا اياها المعرفه السابقه توفر لنا الأمان الكامل ، والراحة النفسيه ، معرفة الانسان وارتباطه الحميمي بالأشياء التي سبق له تجربتها ومعرفتها تدفعه للامام