الخميس، 4 أغسطس 2011

إيجابيات الأزمة الاقتصادية


محمد إسماعيل اللباني
يتحدث "فرنسيس فوكوياما" عن أهمية تتابع الأجيال من خلال مقولة في الثقافة الغربية "علم الاقتصاد يتقدم بعد كل جنازة" أي أن الكبار المتنفذين على النظرية الاقتصادية والمتشددين في تطبيقها، يسمح رحيلهم بتطور في الاقتصاد نحو الأفضل، أما ما شهدناه في الأزمة الحالية فهو "جنازة" أفكار وليست أفراد، فهي تسمح لنا بالنظر للجوانب الاقتصادية برؤية مغايرة عما ألفناه.
  فلعل تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، بعد فترة من الزمن، تتكشف عن جوانبها الإيجابية، في نظام اقتصادي عالمي يسمح بتعدد الأنماط، وتنوع التطبيقات للنظم الاقتصادية، بما يتفق مع الواقع المحلي لكل دولة، وبما يجعل من الاقتصاد خادماً للإنسان، وليس العكس، فقد نتجت الأزمة العالمية عن تراكمات لتطبيق معين اتخذت التدابير اللازمة لتعميمه على مختلف بقاع العالم في بدايات تسعينات القرن الماضي.
  فعندما انهارت المنظومة الإشتراكية المتمثلة في الاتحاد السوفييتي، وما يتبعه من دول تسير على نمطه الاقتصادي، وتقع في فضاء تبعيته السياسية، ولّد هذا الانهيار درجة من الانبهار والغرور لدى صانعي القرار الغرب في النظام الرأسمالي المتحلل من القيود، والمتربع على عرش القرار السياسي، مما حول الدولة الرأسمالية الأولى (أمريكا) إلى دولة رخوة في اتخاذ قرارها السياسي، وفي صنع القرار المتصل بتدابير الضمان الاجتماعي، في مواجهة أصحاب الشركات العابرة للقارات لصالح أصحاب النفوذ، والقائمين على حركة رؤوس الأموال.
  النقطة الثانية التي تولدت عن غرور ما بعد الحرب الباردة هو تحول النظام الرأسمالي إلى أيدلوجية سياسية واقتصادية راسخة لدى المنتمين له والموافقين على تطبيقه في بلدانهم، فبعد أن كانت المرونة هي السمة الذي تفخر بها الرأسمالية وتتمايز بها عن النظام الاشتراكي تحولت الرأسمالية ذاتها إلى نظام "أيدلوجي" لا يقبل بالتعدد التطبيقي للأنظمة الاقتصادية، بل يصر على تطبيق "النموذج" المحدد، سلفاً، والقائم على النمطية الاقتصادية التي لا تُراعى فيها التعددية الاجتماعية لأنماط الإنتاج والاستهلاك في الدول المختلفة، وبخاصة دول العالم الثالث، مثلاً، ولم يكن ذلك ناتجاً عن جهل بطبيعة الاختلافات التكوينية بين مختلف المجتمعات بقدر ما كان ناتجاً عن جشع أصحاب الشركات العالمية في تحقيق أكبر قدر من المكاسب الخيالية على مستوى العالم في مختلف فروعها وأذرعها الاقتصادية المنتشرة عبر القارات من خلال نظرية "المركز والأطراف" التي يتم، من خلالها، تصميم النظم الاقتصادية في مختلف دول العالم بحيث تصب أكبر المنافع في المراكز الاقتصادية العالمية، ويمكن اتخاذ القرارات في الوقت المناسب عند وقوع الخسائر. فما أعتقد أنه انهار في النظام الرأسمالي هو تلك النمطية المتجمدة، والإصرار على إدارة النظام الاقتصادي العالمي بمنطق التاجر الجشع الذي لا يبالي بأي جوانب غير تحقيق الأرباح.
  ولعل تلك الأزمة تؤدي إلى إعادة التفكير في القناعات الفكرية لدى أصحاب القرار في الدول المختلفة لربط الاقتصاد بتنمية اجتماعية متوازنة يستطيع الاقتصاد فيها أن يخدم الإنسان، بدلاً من أن يقدم الإنسان قرباناً على مذبح النمو الاقتصادي غير المتوازن في جانبي: المجتمع والبيئة.      

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق