الأربعاء، 24 أغسطس 2011

قـوة المعرفة

محمد إسماعيل اللباني
  لماذا نشعر بالخوف من ارتياد الأماكن الجديدة أو مقابلة أناس جدد؟ أو على الأقل، لماذا نحس بالتهيب والتوجس من ملاقاة أي جديد مهما كان نوعه؟.. هل معرفتنا بالأماكن والأشخاص والأشياء تمنحنا قوة من نوع ما؟ هل التعود يحمينا من قسوة المواجهة مع الأشياء الجديدة؟
  المعرفة قوة، والجهل ضعف.. فمعرفتنا بشيء تجعلنا لا نخاف مواجهته بقدر مبالغ فيه، مهما كانت قوته، ومهما كان مهدداً لشيء متصل بوجودنا ومعيشتنا، وجهلنا بشيء آخر يجبرنا على التوجس منه، مهما كان في طبيعة مكوناته الأساسية غير ضار لنا أو لا يمثل خطراً علينا من نوع ما، بل قد يكون مفيداً لنا في بعض الأحيان أن نتعرف مكوناته.
  الإنسان مفطور على التلاؤم والألفة ويحب التعود على الأشياء والطمأنينة لها، ووسيلته لتحقيق ذلك هي المعرفة، فالمعرفة أداة نستطيع بها أن نقتحم المجهول، ونعرف خبايا الأشياء والناس، ولكننا قليلاً ما نمتلك القدرة الملائمة على استغلال المعرفة، أو بمعنى أدق، لا نجد في أنفسنا الطاقة الكافية للوصول إلى المعرفة التي تزيل حجب الجهل، وتبعد عنا أشباح المجهول.
  فلا أحد يحب الجهل، ولكن لا يمتلك الجميع القدرة للسعي من أجل القضاء عليه، فبعضنا ينتظر أن تأتيه المعرفة وهو جالس في مكانه، وبعضنا يحب من يقدم له المعرفة جاهزة دون أن يبذل مجهوداً يذكر، ولكن القليل منا مَن يقتحم أهوال النفس التي تشده للكسل ويتسامى إلى مراتب الباحثين عن المعرفة، أو المتطلعين إلى الحقيقة.
  المعرفة ثروة نستخدمها وقتما نشاء، فنحصل من خلالها على قتل الخوف من المجهول، أو التبصر الواعي بما يدور حولنا، أو النظر العميق لطبائع الشخصيات وأخلاقيات الناس، أو نستثمرها في تحصيل منافع مادية نحتاج لها في حياتنا. وثورة المعلومات التي أطاحت بكل الثورات السابقة عليها، سواء أكانت الثورة الزراعية أو الثورة الصناعية، استطاعت أن تُحدث نقلة حضارية واسعة في خلال عدد محدود من السنوات.. لماذا؟ لأنها ثورة المعرفة، أي ثورة العلم، وثورة الوعي؛ لذلك فقد ظهرت مصطلحات تصف عصرنا بملامح هذه الثورة المعلوماتية فيطلق على المجتمعات التي تنتج المعلومات "مجتمعات المعرفة" وهي المجتمعات التي تقود عصرنا الحاضر، وهي التي من المنتظر أن تسيطر على مجتمعات المستقبل، فحتى مجتمعات القوة العسكرية لم تعد تمثل قيمة إن لم تكن هذه القوة قائمة على المعرفة (بمعناها المعلوماتي والتقني والتطبيقي والتكنولوجي).
  لكن ما أغلب ظواهر استخدام المعرفة في مجتمعاتنا، وخاصة في وسائل الإعلام؟ إنها المعرفة التي تقوم على السرعة والتعجل والقشور، فالمسابقات التي تزدحم بها الفضائيات تقدم المعلومات التافهة بدأب وإصرار، والمتربعون على قمة الهرم المعرفي في شتى المجالات: الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية يسعون إلى إيصال المعرفة القائمة على الوهم أكثر منها معرفة قائمة على الوعي، فكل من امتلك منبراً إعلامياً يخاطب الجماهير من خلاله يحاول بشتى الطرق الممكنة أن يثبت نقطتين في غاية الأهمية بالنسية له: النقطة الأولى، أن يثبت للناس أنه الأعلم والأشهر والأقدر من غيره على معالجة كل ما يطرح عليه من أسئلة. والنقطة الثانية، أن يعرض رأيه في شكل حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل ولا تتحمل المناقشة. والجالسون أمام القنوات الفضائية يشتد إعجابهم بمن تتوافر لديه القدرة على توكيد هاتين النقطتين، على الرغم من أنه بسلوكه هذا يكون ضد العلم وضد المعرفة، فهم جالسون في أماكنهم لا يريدون أن ينشغلوا بالتفكير بين آراء مختلفة فيعجبهم من يعرض رأيه بالقوة الكاملة ودون أن يسمح لغيره بالاختلاف في الرأي، وكل فرد من المشاهدين له "خريطة" مشاهدة محددة لا يريد أن يشتت نفسه في غيرها، ولا يسعفه الوقت لمتابعة مئات القنوات، بل لم يتدرب على التعامل مع مختلف مصادر المعرفة (من جرائد ومجلات وكتب وشبكة معلومات وحياة يومية) فيُعجب بمن تصادف أن يكون المتحدث واقعاً في محيط خريطته، فيتيه إعجاباً به ولا يسمح لنفسه بالتفكير في رأي مخالف، فيفقد القدرة على التفكير الذاتي من ناحية، كما يفقد القدرة على الموازنة بين مختلف الآراء من ناحية أخرى.
  وبناء على ممارساتنا في مجال تلقي المعرفة وتناقلها، هل نحن بحق نتعامل مع المعرفة على أساس أنها مصدر قوة؟ أم نتسلى بها ونلوكها في أفواهنا لإضاعة الوقت، مثل أحاديث النميمة، دون أن نقدِّر قيمة الكلمة أو مسؤولية المعلومة أو خطورة المعرفة؟!


   

الاثنين، 22 أغسطس 2011

التعاطف الإنساني

محمد إسماعيل اللباني
أن نتعاطف مع إنسان معناه أن نحاول مسح دمعة سقطت من عينيه أمام مشكلات الحياة، أو نشعره أننا معه في مواجهته لصعوبات الظروف، أو نحاول مساعدته بما نستطيع، التعاطف من العاطفة أي الحس والشعور، وللمشاعر دور هام في عقد الروابط والصلات بين أفراد المجتمع، والتعاطف لا ينفع أو يجدي إذا لم يقم على إحساس صادق، وشعور حقيقي، فالإنسان الذي يتصنع التعاطف مع الآخرين دون أن ينبع إحساسه من أعماق ذاته، لابد أن ينكشف أمره للآخرين، ويعرفون، عاجلاً أو آجلاً، أنه يتصنع في مشاعره؛ لتحقيق هدف أو للبحث عن مغنم شخصي.
ونستطيع أن نفرق بين نوعين من التعاطف، نراهما في حياتنا: التعاطف الجوهري، والتعاطف الانفعالي، الأول نابع من عاطفة حقيقية تدعمها حالة التفاهم العقلي، والفهم السليم المعتدل دون مبالغة أو تهوين، أما النوع الثاني فقد يكون ناتجاً من نواتج سوء الفهم، أو الانفعال الطارئ دون ركائز أساسية يعتمد عليها للاستمرار والتطور.
التعاطف الإنساني الجوهري حالة تتكون في النفس المرهفة على مراحل الحياة المتعددة، وتتبلور بالتربية والثقافة وبمختلف الوسائل المعينة أو المثبطة لها، أما التعاطف الإنساني الانفعالي فهو حالة ترتبط بطبيعة الإنسان شديد التأثر شديد النسيان، ففي الحالة الأولى يكون الشعور بالتعاطف الإنساني تجاه الآخرين وليد فترات زمنية متعددة من عمر الإنسان، بعد طبيعة تكوينه الأساسية، ويأتي الفهم العقلي لكي يدعم هذه الطاقة الشعورية الرفيعة، وكلما زادت حدة الفهم العقلي زادت حدة وقوة هذا الشعور؛ وذلك لأنه حالة من الموقف الإنساني المؤسس على قواعد قوية وراسخة من الفهم العام للطبيعة البشرية.
أما حالة التعاطف الشعوري الطارئة فهي، غالباً، مرافقة للتواضع في القدرات العقلية ومحدودية الفهم العميق، وتصيب صاحبها بحالة من الانفعال الشديد الذي يندفع في طريقه جارفاً كل ما عداه، وهو انفعال في غاية القوة والشدة، ولكنه سريع الزوال، فما أن ينتهي الموقف الانفعالي الذي ولَّد تلك الحالة حتى لا يلبث صاحبها أن يكون في حالة أخرى يعجب الإنسان لها، ولكنها، في الحقيقة، منسجمة تماماً مع مجمل الموقف العام الذي عايشه هذا الشخص، صاحب التعاطف الانفعالي، ومتناسبة تماماً مع مكونات شخصيته.
فعندما يقف الصديق أمام صديقه، بالحق أو بالباطل، ينحاز إلى الجانب الانفعالي، لأنه إذا كان متعاطفاً معه على أساس سليم لرده عن خطئه الذي يوصله إلى المهالك، على المدى البعيد، وإذا تعاطف الأب مع ابنه وكان حريصاً عليه ألزمة باتباع الضوابط السلوكية القويمة، مهما كانت صعوبتها على نفسه، حرصاً على تكوينه وتهيئته للحياة بشكل سليم.  
وقد رأى أحد الفلاسفة "نيتشه" في التعاطف الإنساني بين أفراد المجتمع نوعاً من أنواع الضعف، من ناحية المتعاطِف والمتعاطَف معه، ويرى أن الإنسان الذي يريد التعاطف يتسول المشاعر من الآخرين، والمانح له يشجعه على هذا، ولعل هذا الحكم ينطبق على فئة من الناس، هؤلاء الذين يحاولون أن يثيروا عاطفة الآخرين، دون أدنى أساس، لكي يستدروا تعاطفهم بشكل زائف، ونجدهم يفرحون بمن يقدم لهم التعاطف الزائف كذلك، فتكون النتيجة استنزاف في المشاعر والوقت، إضافة إلى إضاعة الفرصة على المشاعر الصادقة والأحاسيس الحقيقية.
أما ما يفيد حياتنا الاجتماعية فهو التعاطف الذي نؤسسه بناء على مراعاتنا لتاريخ الشخص الذي نتعامل معه، فعندما يقع في خطأ ما لا نمارس التشفي فيه، بل نتأكد مما حدث، ونحاول أن نتغاضى عن خطئه وسط كثير مما فعله من أشياء نعتقد أنها صحيحة، فكلنا بشر وجميعنا معرضون للخطأ، ومن تتعاطف معه اليوم تُزيد احتمال تعاطفه معك غداً.                                                                                                                                       

الخميس، 18 أغسطس 2011

اندهش.. ولكن!

محمد إسماعيل اللباني
  اندهش يا صديقي.. ولا تترك العادة تمنعك من التعجب والاندهاش.. تعجب من السخف والادعاء وفَقْد الأخلاق.. اندهش بقدر ما يمكنك حتى تحافظ على إنسانيتك ونقاء سريرتك، لكن احذر أن تظل مندهشاً طوال عمرك من البديهيات والمسلمات، فالدهشة أنواع: دهشة الأخلاقيين، ودهشة الساذجين، فإلى أيهما تميل؟ وأيهما تتخذها سلوكاً لك في الحياة؟ هل تختار دهشة الذين يخفقون في فهم الحياة وتظل تصدمهم بحقائقها المؤلمة؟ أم تختار دهشة الأخلاقيين الذين لا يتوقفون عن الحفاظ على سموهم الأخلاقي ورفعتهم السلوكية، وترفعهم عن التفاهات؟
  فالدهشة سلوك إنساني يأتي كرد فعل على موقف عقلي لا تتفق معه، أو موقف عاطفي لا تستريح له، فهي رد فعل طبيعي على ما يتفق مع فكرك وإحساسك. أما مستويات الدهشة فتتعدد بتعدد طرق النظر والرؤية، فهناك الدهشة الأولية التي تلازم الإنسان طوال مراحل عمره المختلفة، وتبدأ منذ مراحل الطفولة الأولى، فالطفل يعبر عن دهشته باكتشاف حقيقة معينة كامتداد الكون واتساعه، بما يناقض اعتقاده البدائي بمحدودية العالم الذي يعيش فيه، وتظل ملازمة للإنسان عندما يكتشف حقيقة من حقائق الحياة التي كانت غائبة عنه، وأتت ضد ما كان يعتقد أنه صحيح، كالصديق الذي يكتشف صفة في صديقة بناء على سلوك صدر منه، وهي صفة لم يكن يظن أنه موجودة في هذا الصديق، بل كان يستبعد وجودها بشكل مطلق.
  وتأتي الدهشة الناتجة عن الحساسية لتكون ألماً دائماً للإنسان، فالفرد الذي يطوعه التعود، وتغمره العادة بتكرارها يستطيع أن يتأقلم مع أشد الأمور سخافة في الحياة مع مرور الوقت، أما مَن يمتلك طاقة من الشعور والحساسية، وهو الذي لا يستجيب لحكم لعادة في هذه الأمور فإنه يظل معذباً باندهاشه من سلوكيات بشرية لا تروق له، أو من واقع مادي غير مريح، فالأول قد يرى على باب بيته كومة من القاذورات فيندهش لها، لكنه يتعود عليها مع مرور الوقت، أما الآخر فإنه، لفرط حساسيته، لا يستجيب لحكم العادة، ويظل رافضاً لهذا المنظر الذي يؤذي مشاعره من خلال النظر له يومياً، وكذلك يظل مندهشاً من عادات بشرية يرى أنها خطأ، ولا يستطيع أن يتأقلم معها، أو يتعود عليها.
  الدهشة تعبير عن أنك لا زلت حياً، وأنك تشعر بما حولك، وفي هذه الحالة إن فقدت الاندهاش فقد فقدت الحياة. فهي انفعال يدل على أنك لا زلت في حالة من السمو الأخلاقي والحساسية الإنسانية التي تمنعك من التورط في "التعود" على الكذب والخداع والنفاق والغش والتزوير. أما الدهشة "الساذجة" فهي أن يظل الإنسان دائماً في حالة من التعجب والاندهاش من حقائق أساسية في الحياة كحقيقة أننا كلنا بشر لنا مطامعنا الخاصة في السعي والعمل، ولنا تطلعاتنا المؤثرة على آرائنا ولدى كل واحد فينا ما يكفي ليصبح رأيه الصادر عنه موضع أخذ ورد، وموضع تساؤل وشك؛ لأنه مبني على أساس الظروف الفردية لصاحب الرأي الذي أنتجها، عندما نظل نندهش من حقيقة كهذه، وكثير منا يظل طوال عمره مندهشاً من ذلك، فمعناه أننا لم نتعلم من الحياة شيئاً، ولم نستفد منها في ترقية أفهامنا. وهي من أخطر أنواع الدهشة وأشدها تأثيراً على النضج العقلي والشعوري المطلوب في الحياة، ذلك النضح الذي يجب أن يتحلى به من يواجه الحياة وصعوباتها.
  ومن العجب أننا كثيراً ما نجد حولنا نماذج من الناس الذين يجمعون بين التعود، أي الاستجابة التدريجية لما لا يحبون أو يقتنعون مع مرور الوقت، إضافة إلى استمرارهم في الاندهاش من حقائق الحياة الأولية!!.
  أما الدهشة التي أدعوك إليها فهي التي تحفظ كيانك من الانجراف نحو هاوية السقوط الأخلاقي، فاحذر أن تتعود على عدم الوفاء بالوعد، واحذر أن تصيبك عدوى الكذب المنتشرة في كل مكان حولك، وإياك أن تستجيب لدعوى أن الجميع يفعل كذا، فلماذا لا أفعل مثلهم؟!.. فهي بداية السقوط في الهاوية!!
ellebany@hotmail.com  

الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

الاستشراق.. قراءة متجددة في عصر العولمة

محمد إسماعيل اللباني
أثار كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد كثيراً من الحوارات والجدل حوله، إبّان صدوره في ثمانينات القرن الماضي، وقد اتخذ كل قارئ للكتاب موقفه منه بحسب مناخه الثقافي أو موقعه الحضاري، فقد أثار الكتاب جدلاً في الغرب، كما أثاره في بلادنا. وعلى الرغم من ذلك لم تكن حالة "الاستشراق" التي يناقشها إدوارد سعيد في الوضع ذاته الذي نراه الآن، حيث إن تجليات ونواتج الدراسات الاستشراقية في الثمانينات من القرن العشرين اختلفت عما حدث بعد ذلك من تغيرات على مستوى القطبية السياسية وأفكار العولمة وثقافة عالمية المعرفة وثورة المعلومات، وغيرها من المصطلحات التي انتعشت في نهاية القرن العشرين، وباتت تمثل جزءاً جوهرياً من ثقافة قرننا الحالي.
كان الكتاب امتداداً لأعمال تأسيسية لمرحلة نقد المركزية الأوربية التي بدأت في الستينات من داخل الثقافة الأوربية ذاتها بكتابات كلود ليفي شتراوس (في دراساته الأنثربولوجية) وميشيل فوكو (في تناوله لأنساق المعرفة) وجاك لاكان (في قراءاته للتراث الماركسي والإنتاج الفرويدي) وجاك دريدا (في تناوله للمركزية الأوربية من خلال "مركزية الكلمة" أو "ميتافيزيقا الحضور" للأنساق المعرفية المؤسسة للحضارة الأوربية) وغيرهم من فلاسفة الغرب الذين رأوا أنه قد حان الوقت لمراجعة تلك النظرة القاصرة عن رؤية التعدد والتنوع في الحضارات الأخرى، من خلال النظر لكل ما ليس أوربياً باعتباره هامشاً لا يُلتفت إليه، واعتبار أن الحضارة الغربية هي الوحيدة المنتجة للثقافة والتصورات في عصر الحداثة، كما هي منتجة للآلات والتكنولوجيا منطلقاً من الأرضية ذاتها. أما أهمية دراسة إدوارد سعيد فترجع إلى تقديم دراسة تحليلية عن الاستشراق وفعالياته في ضوء نظرية نقد "المركزية الأوربية" من واقع خبرته بأنساق الثقافة الأوربية/ الأمريكية، إضافة إلى انتمائه إلى الثقافتين الغربية والشرقية، فجمع في معرفته وإلمامه ونظرته النقدية حضارتين محتلفتين بشكل قد يكون متساوياً.
قدم إدوارد سعيد كتابه ليعيد النظر في جانب من جوانب المركزية الأوربية، وهو جانب الاستشراق ليحلل مراحله المختلفة، وجوهر عمله وطريقة سيره في المجتمع الأوربي، وكيف أنه اعتبر المرتكز الأساسي لتقديم المادة المعرفية لأصحاب السياسة والاقتصاد لاتخاذ قراراتهم التي تحتاج إلى معرفة بالآخر/ الشرق.
يبدأ إدوارد سعيد رحلته التحليلية مع الاستشراق منذ بداياته الأولى لتبادل المعارف والخبرات بين الشرق والغرب، ثم في مرحلة الحروب الصليبية، ثم في مرحلة تالية في عصور الاحتلال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وصولاً إلى القرن العشرين. يقوم الكاتب بذلك دون مسيرة تأريخية من نوع ما، بل إنه ينفي عن كتابه نفياً قاطعاً أن يكون كتاباً في تاريخ الاستشراق، حيث يقف الكاتب على محطات تاريخية للاستشراق لمناقشة الإشكاليات وتفنيد المواقف، وإثارة التساؤلات الثقافية العامة في علاقة الحضارة الواحدة بذاتها من ناحية، وفي علاقتها بغيرها من الحضارات من ناحية أخرى. وفي بدايات الكتاب يعلن عن تحيزه بوضوح لنظرة محددة في فهم الاستشراق عندما يقول: "يحسن أن يُفهم الاستشراق باعتباره طقماً من الضوابط المقيدة والمحدوديات المفروضة على الفكر، بدلاً من كونه، ببساطة، مذهباً إيجابياً. وإذا كان جوهر الاستشراق هو التمييز الذي يستحيل اجتثاثه بين الفوقية الغربية والدونية الشرقية، فإن علينا أن نكون على استعداد لنلاحظ كيف أن الاستشراق في تناميه وفي تاريخه اللاحق، قد عمق هذا التمييز، بل أعطاه أيضاً صلابةً وثباتاً. وحين أصبحت الممارسة العادية لبريطانيا خلال القرن التاسع عشر أن تحيل إدارييها في الهند وبلدان أخرى على التقاعد مع بلوغهم سن الخامسة والخمسين فقد تحققت درجة أبعد من الصقل والتشذيب للاستشراق، إذ لم يكن يُسمح لشرقيٍّ أبداً بأن يرى غربياً يهرم وينحط، تماماً كما لم يكن لغربي أبداً أن يرى نفسه، ممرأىً في أحداق عرق محكوم، إلا رجلاً مليئاً بالحيوية، عقلانياً، يقظ الذهن أبداً".(1) هذا هو إطار الانطلاق التأسيسي للكاتب نحو محطات مختلفة لفعالية الاستشراق وتكويناته الثقافية، مع انعكاساتها على الواقع الفعلي للتوسع الإمبريالي أو الهيمنة السياسية، فحالة الاستعلاء والنظرة الفوقية هي التي كانت حاكمة لمشهد العلاقة بين الغرب والشرق.
اعتقد بعض المخالفين لإدوارد سعيد في رأيه من أهل ثقافتنا الشرقية أنه متحيز لثقافته الغربية، ولم يقدم النقد الكافي أو الإدانة الكافية للاستشراق وما تبعه من أهوال استعمارية، كما انتقد بعض الغربيين تهاون سعيد في نظرته للحضارة الغربية وما قدمته من إنجازات على مستوى التطور البشري في مختلف مجالات الفنون والعلوم والآداب، بغض النظر عن عصور الاستعمار التي كانت مرحلة من مراحل التاريخ البشري التي لا يمكن أن نقيسها إلا بظرفها التاريخي المحدد.
وسواء أكان النقد موجهاً من الشرقيين أو من الغربيين فأعتقد أن القراءة الأقرب إلى منطق إدوارد سعيد هي أن ننظر إلى المؤلَف باعتباره جزءاً لا يتجزأ من تلك الثقافة الغربية التي أتاحت له منظومات معرفية واسعة، اعترف هو بها ورأى أنها قد وسعت من آفاقه ومن قدرته على الرؤية والتحليل والتعامل مع الظروف الراهنة لثقافة العصر الحديث، وهو أيضاً يمثل جزءاً لا يمكن إنكاره أو تجاهله من الشرق باعتباره عربي الجذور، وخاصة في مراحل التربية الأولى، ليس هذا فقط بل إنه جزء من أرض لا تزال محتلة، وهي فلسطين. وبناء على موقفه المزدوج في الانتماء الغربي الشرقي.
حاول إدوارد سعيد في كتابه أن يرسم مساراً تحليلياً نقدياً للاستشراق من حيث أهدافه وظروف نشأته وتغيراته على مدى فترات تاريخية مختلفة، متمسكاً بإطار نقدي لتلك الثقافة الغربية التي أقدمت على التعامل مع الآخر/ الشرق بمجموعة من القيم والأسس التي لم يستطع أحد أن يتخلص منها حتى أكثر المستشرقين فهماً واستنارة، ومن أهم هذه الأسس:
1 ـ النظر للشرق باعتباره كتلة واحدة صماء، مفرغة من التعدد والاختلاف، تحيطها الأحكام المطلقة، وتتناسب معها طرق التفكير ذات الأحكام التعميمية، ولم تكن الطفرات المعرفية ذات التأثير في داخل الحضارة الأوربية والخاصة بضرورة رؤية جوانب التعدد والاختلاف موجودة بأية درجة في الدراسات الاستشراقية من خلال النظر للحضارة الشرقية.
2 ـ كان المستشرق يرى أنه لا يمكن النظر إلى الشرقي باعتباره إنساناً ذا ميزة فريدة مختلفة عن غيره من البشر، فهو لا يختلف عن "النوع" أو "الجنس" الذي ينتمي إليه، بل يمثل كل فرد من أفراده تكراراً لا نهائياً لنوعه، فكان المستشرق الذي يقابل شخصاً شرقياً أو يتعامل مع مجتمع شرقي مهما كانت محدوديته ينتقل من الدراسة الفردية لهذا الشخص إلى الأحكام التعميمية، فالغربي يرى أن الشرقي أقل كثيراً من أن يمثل وجوداً إنسانياً متفرداً بأية صورة من الصور.
3 ـ تنتقل درجة "التعميم" إلى مدى أوسع عندما يأتي الحديث عن "شرق" و"شرقي"، فلا يكون حديثاً عن مجتمع محدد أو عن فئة شرقية معينة، بل يكون الحديث عن "شرق" على إطلاقه، وعن مجتمع شرقي على درجة من الانسجام والتوافق الداخلي في الأحكام التي يطلقها عليه المستشرق بدرجة لا تسمح بالتمايز أو الاختلاف.
أما أهم لفتة نقدية أكد عليها الكاتب، وأعاد ذكرها مرات عديدة فهي هوية الإنسان الغربي حيث يتحدث عن "الهوية الغربية" باعتبارها هوية غير بريئة أو مستقلة، بل احتاجت خلال مراحل تكونها، وخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى تحديد موقفها من الآخر، فإذا كانت الذات الأوربية هي ذات الإنسان المتقدم حضارياً والمنتج في كل المجالات فإنه يحتاج، لكي يؤكد هذه الهوية، إلى ذات أخرى يرى فيها تقدمه وهي الذات الشرقية التي تتسم بالتخلف، وتتصف بالاستهلاك ليرى قدرته على الإنتاج، وتميل إلى الراحة والدعة ليرى قدرته على الحيوية والعمل والنشاط، يحتاج إلى شخصية تميل إلى الفوضى ليرى قدرته على النظام، وتترك الأمور على عواهنها، ليتمتع بقدرته على التحكم بالأمور والسيطرة عليها.
كانت صورة الشرقي، بناء على ذلك، صنعة أوربية ناتجة عن احتياج، أكثر من كونها رؤية فعلية لواقع حقيقي، وهنا نستطيع أن نرى حالة الاستقطاب الثنائي على الجانب الآخر من الحقيقة التي وقع في فخها إدوارد سعيد، فإذا كانت الحاجة لرؤية الذات لدى الأوربي هي التي صنعت صورة الشرقي فلم يكن الإنسان الشرقي بريئاً تمام البراءة في ترك هذه الصورة تتكون عنه، ولكن المشكلة تكمن في "تعميم" الصورة وإطلاقيتها، حيث يرى الأوربي أن الإنسان الشرقي لابد أن يتسم بهذه الصفات الأولية، بحسب فهمه، في كل مكان وفي كل مكان، طالما أنه موسوم بهذه الصفة (الشرقي).
لا أنكر أن إدوارد سعيد قد أشار إلى هذه النقطة، لكنه لم يتوسع فيها كما توسع في التركيز على الخطأ الغربي في صنع صورة مغلوطة عن الإنسان الشرقي، وأرى أن ذلك راجع إلى أن إدوارد سعيد كان يكتب كتابه باللغة الإنجليزية وعينه على القارئ الغربي؛ لذلك لم يثر كثيراً المسؤولية الشرقية في تكوين هذه الصورة، بل ركز على أخطاء تكوين الصورة الغربية، وهذا ملائم للسياق الكتابي الذي يكتب فيه الكاتب كتابه. وهذا ما يؤكد ما أشرت إليه قبل ذلك من أن كتاب "الاستشراق" ينتمي إلى الثقافة الغربية، وينتقد المركزية الأوربية من موقع المنتمي لها وليس من جبهة الغريب عنها.   
من المحطات التي يتوقف الكاتب عندها محطة "رينان" في القرن التاسع عشر، وكانت الصيغة الحاكمة لمختلف التحركات أن "الشرق يقترح وأن الغرب يقدّر المصير: فلآسيا أنبياؤها، ولأوربا أطباؤها (متفقهوها، وعلماؤها)".(2).. وعبر صفحات طويلة من الرؤية المتبصرة نطالع تحليل إدوارد سعيد لمسارات وتفاعلات الدراسات الاستشراقية وتحويلها لجميع مستويات التفاعل الحضاري الإنساني بين الذات والآخر إلى مستوى سياسي مسطح، لا يرى من الحياة غير وجهها الظاهري المبسط في تحقيق أكبر قدر من المنافع السياسية، ونصل إلى ما يمكن أن نعده محدداً لأطروحة الكتاب الأساسية: "فالاستشراق من جهة أولى، حصل على الشرق إلى أقصى درجة ممكنة من الحرفية والشمول، ومن جهة أخرى، فقد دجن الاستشراق هذه المعرفة للغرب، مكرراً إياها وناقلاً لها عبر أنظمة ترميز مقننة، وتصنيفات، وحالات من العينات، ومراجعات مرحلية، ومعاجم، وكتب نحو، وتعليقات، وتحريرات، وترجمات، شكلت جميعها مَصْوَرَةً للشرق وأعادت إنتاجه مادياً في الغرب، من أجل الغرب. وكان الشرق، بإيجاز، قابلاً للتحويل من الشهادة الشخصية، المشوهة أحياناً، للرحالة الجسور وللمقيمين الجسورين في الشرق إلى تحديدات لا شخصية عبر أفواج كاملة من المشتغلين بالعلم. وكان الشرق يحول من التجربة المتوالية للبحث الفردي إلى شبه متحف وهمي دون جدران غدا فيه كل ما جمع من المسافات والتشكيلات الهائلة للثقافة الشرقية، بصورة فصلية قطعية، شرقياً. وسيعاد تحويل الشرق، ويعاد تشكيل بنيته، من حزم الشذرات التي يعود بها شيئاً فشيئاً المستكشفون، والحملات، والبعثات، والجيوش، والتجار، إلى معنى استشراقي، معجماتي، سيروي، مقسم إلى مقصورات، ومُنَصَّص. ومع أواسط القرن التاسع عشر كان الشرق قد أصبح، كما قال دزرائيلي، صنعةً لا يستطيع فيها المرء أن يرمم الشرق وحسب، بل أن يرمم نفسه ويعيد صنعها كذلك".(3)
وهي النظرة المحورية التي تأسست عليها نظرة العولمة الحالية، فقد خفت صوت الاستشراق بمعناه التقليدي، وقلت الدراسات "العلمية"، على الرغم من غرضيتها، واكتفى القائمون على الشأن الثقافي الغربي، في الغالب الأعم، بما تم إنتاجه في تلك الفترات لتشكل مرجعاً باهتاً مع مرور الوقت، ويتم النقل عبر وسيط إلى أن وصلت التحليلات الصحافية السطحية والتقارير المبتسرة إلى أن تصبح هي المرجعية الأساسية في نظرة صانع القرار السياسي، إضافة إلى كونها، في الأساس، هي الركيزة الأساسية التي تمثل مرجعاً لا مزيد عليه لتكوين الذهنية الجماعية وفهمها للإنسان الشرقي أو للحضارة العربية، إضافة لحضارات الفضاء الجغرافي الإسلامي بشكل عام.
أما عن البواعث والأهداف التي سعى الاستشراق، كممارسة علمية أو شبه علمية، للقيام بها فهي تقديم صورة محددة للشرق: "الشرق الذي يتجلى في الاستشراق، إذن، هو نظام من التمثيلات مؤطر بطقم كامل من القوى التي قادت الشرق إلى مجال المعرفة الغربية، والوعي الغربي، وفي مرحلة تالية، الإمبراطورية الغربية. وإذا كان هذا التحديد سياسياً أكثر منه أي شيء آخر، فذلك ببساطة لأنني أومن بأن الاستشراق كان هو نفسه نتاجاً لقوى ونشاطات سياسية معينة. فالاستشراق مدرسة للتفسير حدث أن كانت مادتها الشرق، بحضارته، وشعوبه، وأقاليمه المحلية. واكتشاف الاستشراقية الموضوعية، وهي حصيلة عمل باحثين لا يحصون نذروا أنفسهم له، فحققوا النصوص وترجموها، ودونوا النحو في مجمعات، ووضعوا المعاجم، وأعادوا تركيب حقب منسية، وأنتجوا معرفة يمكن تحريها وامتحانها وضعياً... فالاستشراق ليس مجرد مذهب إيجابي حول الشرق يوجد في وقت واحد محدد في الغرب، بل هو تقليد جامعي ذو تأثير".(4)
أما المرحلة التأسيسية لمرحلة العولمة، والتي يلتقط إدوارد سعيد تجلياتها ببراعة واضحة فيقول عنها: "بيد أن الاستشراق، رغم كل إخفاقاته، ومصطلحه المعاظل الذي يثير الشفقة، وعرقيته التي لا تكاد تحجب، وجهازه الفكري الرقيق رقة الورق، يزدهر اليوم بالأشكال التي حاولت أن أصفها. وبالفعل، فإن ثمة ما يدعو إلى القلق في كون تأثيره قد انتشر إلى "الشرق" نفسه... وقد انتشر الاستشراق أيضاً في الولايات المتحدة الآن... الحقيقة هي أن الاستشراق قد استُوعِب من قبل الإمبريالية الجديدة، حيث لا تفند منطلقاته السائدة، بل إنها لتثبت وتؤكد، المخطط الإمبريالي المستمر للسيطرة على آسيا".(5)
وأرى أن هذا التراث "العريق" والممتد الذي صنع الذهنية الغربية في النظر للإنسان الشرقي تحول إلى ثقافة راسخة وثابتة، لكنه ليس عاماً وشاملاً، حتى لا نقع في فخ التعميمية الذي وقع فيه الفكر الاستشراقي، بل إن ثمة مجموعة من مراكز الدراسات التي تقوم بتقديم "رؤية" قد تختلف عن تلك الرؤية الثابتة والمتوغلة في الوعي، إضافة إلى عدد من المفكرين الذين يستطيعون تجاوز تلك النظرة القاصرة للشرق، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن "النظرة المغايرة" للإنسان الشرقي وللحضارة الشرقية هي نظرة مجموعة من "النخبة"، أما النظرة التي أسسها الاستشراق على مدار قرون في النظرة التي تحولت إلى "نظرة شعبية" تنتقل بالتربية عبر الأجيال، إضافة إلى أنها تحمل الكثير من الإنتاج والكتابات والتحليلات والدراسات والرحلات التي تقدم مستويات مختلفة للرؤية تجعلها "مرنة" بالشكل الكافي لتأخذ تحت مظلتها رجل الشارع الأوربي والصحافي والكاتب وأستاذ الجامعة، ولتعيد سقف الرؤية في صور متعددة من الإنتاج الثقافي (رواية، كتاب سياسي، عمل فكري) وأعتقد أن ما خفف من حدة تلك القطبية الثنائية بين شرق وغرب في النصف الثاني من القرن العشرين هي القطبية الأيدلوجية والسياسية التي غطت المرحلة (الرأسمالية والشيوعية) وعندما بدأت بوادر الانفراج لهذه الثنائية كانت تتوالد في رحمها مرحلة المواجهة الجديدة من خلال المرحلة ذاتها عندما كانت أمريكا تمد "القاعدة" بالمعونات اللازمة لمحاربة الشيوعية عبر أفغانستان، ولتأتي تتابعات الأحداث بعد ذلك بشكل تراجيدي بلغ ذروته في أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، كانت قد سبقت في التسعينات بأحداث نيروبي وتفجيرات دار السلام في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي لم يحسم أمره كما حسمه "بوش" في إشعال حرائق الحروب في عدة جبهات، في الوقت الذي كان كتاب "صدام الحضارات" لصموئيل هنتنجتون يحقق نسباً هائلة من المبيعات.      
وفي النهاية، أرى أن أية قراءة لـ "استشراق" إدوارد سعيد لن تكون إلا قراءة مبتسرة وغير وافية، فأسلوبه وتحليلاته وإضاءاته لشتى جوانب الموضوع غير قابلة للتلخيص، ولا يمكن ضبط حيويتها وتدفقها في عبارات موجزة تمنع ما تتمتع به من صخب فكري وحيوية أدبية يحتاج القارئ أن يغوص فيها بنفسه؛ ليكتشف الكثير عن محددات تكوين الوعي لدى الشعوب المختلفة، وقدرة الأعمال الصغيرة من الرؤى والكتابات على صنع أنساق معرفية قد تقف عائقاً أمام كثير من رغبات التغيير المرجوة.
ــــــــــــــــــ
(1) إدوارد سعيد ـ الاستشراق (المعرفة. السلطة. الإنشاء) ـ نقله إلى العربية: كمال أبو ديب ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ الطبعة السابعة 2005 ـ لبنان. صـ 73.
(2) الاستشراق صــ 157.
(3) الاستشراق صــ 181.
(4) الاستشراق صــ 214.
(5) الاستشراق صــ 319.    
يمكن تحميل كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد من الرابط التالي: