الجمعة، 5 أغسطس 2011

مستقبل الثورة الجينية وفلسفة العلوم


محمد إسماعيل اللباني
في كتابه "مستقبلنا بعد البشري" يرتكز فرانسيس فوكوياما، الذي اشتُهر بكتاب "نهاية التاريخ" على مدخل أولي لكتابه من خلال تحليل لروايتين تنتميان إلى الخيال العلمي أو للفكر التنبؤي في حينهما، الرواية الأولى هي رواية "1984" لجورج أورويل، والثانية رواية "عالم شجاع جديد" لألدوس هكسلي، ومطالعة تحليل فوكوياما لمدى نجاح الرواية الأولى في التنبؤ من عدمه تكشف لنا عن عقلية سلطوية واضحة، حيث يحلل الوقائع والأحداث باعتباره مستشاراً للإدارة الأمريكية السابقة، فينظر للأحداث من ارتفاع سلطوي يسمح بالرؤية الشمولية دون المرور بالإنسان وآماله وتطلعاته وآلامه، فهو لا يضع الإنسان العادي، الإنسان الموجود في كل زمان ومكان، في جدول اهتماماته الإنسانية، بل يتحدث عن الإنسان باعتباره كائناً سياسياً، لا يستطيع أن ينظر إليه إلا من خلال "السلطة" التي يحتمي الكاتب بها، ويعيش في كنفها، ويبدع منظومته الفكرية، وعينه لا تفارق التطلع الدائم إليها.
 فمن خلال رؤيته لرواية جورج أورويل يرى أن "الأخ الأكبر" في مدينة "أوشيانا" لم يتحقق في الواقع الفعلي من خلال الثورة المعلوماتية حيث يوجد مَن يراقب الناس، ويطلع على تفاصيل حياتهم، كما ورد في الرواية، بل إن الأفراد العاديين، في رأي فوكوياما، هم الذين أصبحوا يراقبون الحكومات، من خلال ما نشرته مختلف الحكومات في العالم من معلومات تتصل بأنشطتها وميزانياتها وخططها على شبكة الإنترنت فأصبح الناس هم المعادل الموضوعي للـ "الأخ الأكبر" في الرواية، حيث يستطيعون مطالعة أسرار الحكومات من خلال تسهيلات ثورة التكنولوجيا، وتوافر المعلومات على مستوى العالم، وكأن فرنسيس فوكوياما لا يرى ما كشفت عنه "ثورة المعلومات" من سيطرة الشركات العابرة للقارات على مجمل الإنتاج المعلوماتي لحياة الناس وأنشطتهم، ونفسياتهم، ومشكلاتهم؛ بهدف تقديم "الجرعة الاستهلاكية" التي تساعد على إلهاء هذا الكائن السياسي، الذي يتحدث عنه فوكوياما، وتحويله إلى "كائن استهلاكي".
لعل فوكوياما، بنظرته إلى جانب واحد من الحقيقة، ينظر إلى عدة أحداث استطاع فيها الأفراد، وخاصة المخربين، من اقتحام أنظمة المعلومات الحكومية والمؤسسية لكنه لم يرَ ما يحدث من سيطرة كونية لمؤسسات تسيير الشأن السياسي، وخاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر، من سيطرة على مجمل حركات الأفراد، وتنقلاتهم، وإمكانات رصد مطالعاتهم لمواقع إنترنت محددة، وتوجيه التهم من خلالها بممارسة أنشطة إرهابية، أو غير ذلك من الوصول إلى شخص يحمل هاتفاً نقالاً وتتبع تنقلاته في أي مكان في العالم.
فكتابة فوكوياما، بحكم عمله، توحي لمن يقرأها برجل السلطة الذي يعرض لجانب الضعف في موضوعات السيطرة المحكمة على الجماعات ويتماهى مع وجوده السلطوي في أمريكا باعتباره مستشاراً سلطوياً ينتمي لفئات تبحث عن إحكام السيطرة، فيختلط التقرير الحكومي بالكتابة الفلسفية التي تخرج لنا مزيجاً يوهم بعمق الأفكار. لكنه، في المحصلة النهائية، لا يتخلى عن موقع التماس مع السلطة ليترك سجيته الفلسفية أو الفكرية تتحرك، بل يأتي بمقولات هيجل ونيتشه ليزين به مقدمات المقالات، مع لَيْ عنق الحقائق عن سياقها ليستخدمها كما يريد، ولا أدل على ذلك من استغلال لمقولة هيجلية في التأسيس لفكرة نهاية التاريخ، مع بعد المسافتين: الفكرية والزمنية بينه وبين هيجل، لكن فوكوياما، في حقيقة الأمر، يمثل ظاهرة من نوع جديد هي ما يمكن أن نسميها مرحلة "فيلسوف السياسة" بما تمثله من سُلطة في عصر العولمة، فإذا كانت مقولاته التحليلية واستشاراته السياسية تؤخذ على محمل الفلسفة، فقد مثّل صورة جديدة تمثل جدية واضحة لكينونة فلسفية من نوع جديد.
فلم يعد الفيلسوف هو من يضع إطاراً وجودياً وأخلاقياً متكاملاً للإنسان (أرسطو وأفلاطون) أو يقدم قراءة نقدية للتاريخ البشري، مع استثمارها في وضع بنية فلسفية متماسكة (هيجل وماركس) أو يمسك بمعاول الهدم لجميع الأفكار البشرية التي يرى أنها بالية، وقد عفا عليها الزمن، ويبشر لمستوى مختلف للوجود الإنساني (نيتشه) أو يُقدم في المحافل والمنتديات مع أخذ الحذر منه على سبيل الاحتياط في كل ما يخص السياسة نظراً لاستقلاليته الفكرية غير المضمونة (سارتر وبرتراند راسل) فها هي المرحلة الجديدة التي أتانا بها "فوكوياما" ورديفه "صموئيل هنتنجتون" ليقدما صورة لعصر فلسفي جديد يمكن أن نسمي فلسفته "الفلسفة الإستراتيجية" أي التابعة للفكر التخطيطي السياسي، فمع انهيار منظومات الأيدلوجيا لم يعد في الإمكان أن يفرز الواقع الموضوعي فلاسفة بحجم هؤلاء أو باستقلالية أولئك، أما الغريب في الأمر أن فوكوياما كان سبباً في إعادة النظر في هيجل حتى إن دور النشر استفادت بما قدمه لها، ولكن بعد الفراغ من قراءة هيجل من استفاد منه؟ أعتقد أن كل من عاد لهيجل بعد مطالعة كتاب "نهاية التاريخ" اكتشف الخدعة "التسويقية" التي قام بها فوكوياما، فلم تكن عودته لهيجل إلا للارتكاز على مقولة مبتسرة لتسويق أفكاره وإضفاء العمق المتوهم عليها.
ولعل هذا لا يمنع من رؤية نقطة في غاية الأهمية وهي أن فوكوياما يعتمد في هذا الكتاب على تراث طويل من التواصل بين العلم والفلسفة، وما سمي في فترة من الفترات "فلسفة العلوم" أو هو ما حدث في مراحل بين شد وجذب للعلاقة بينهما، ابتداء من أرخميدس ووصولاً إلى إسحاق نيوتن وألبرت أينشتاين الذي أحدث طفرة واضحة في نظرة للإنسان للكون من حوله، إضافة إلى علماء الفضاء والثورة الحيوية في عصرنا الحاضر الذين يعيدون، بين آن وآخر، النظر في رؤية الإنسان إلى طبيعته البشرية، وخصائص الحياة وعلاقتها بالكون من حوله بناء على ما يتوصلون له من اكتشافات، وما يطورونه من اختراعات، إلا أن فوكوياما يبدأ موضوعاته السياسية الاقتصادية المختلطة باللمحات الاجتماعية بمداخل وتصديرات بمقولات لبعض الفلاسفة مثل هيجل ونيتشه محاولاً إيهام القارئ بمعالجاته الفلسفية التي تتضاءل كثيراً أمام الرؤية السياسية الاقتصادية، فهو أستاذ كرسي في الاقتصاد السياسي الدولي، ولا يستطيع أن يتخلص من طابعه التخصصي في نظرته المحددة.
وعودة إلى كتاب "مستقبلنا بعد البشري.. عواقب ثورة التقنية الحيوية" لنجد أنه يتكون من ثلاثة أجزاء: الأول بعنوان: السبل المؤدية إلى المستقبل. والثاني بعنوان: أن نكون بشراً. والثالث بعنوان ماذا نفعل؟ فنجد أنه بغض النظر عن تنظيراته الفلسفية التي كثيراً ما تختلط بالفكر السياسي فإن تحليلاته العلمية وارتباطها بالمعضلات الاجتماعية للإنسان على درجة عالية من التحليل النافذ الذي يرتكن على كم هائل من المعلومات العلمية المرتبطة بتطورات الهندسة الوراثية، والآراء التي يقدمها للآخرين من أصحاب الفلسفات المختلفة في النظر إلى الإنسان وطبيعة تكوينه، ومستويات حقوقه الإنسانية التي يحب أن يتمتع بها، وارتباط حقوق الإنسان ونوعيتها بالنظام السياسي القائم، وفي الفصل الخاص بـ"الكرامة الإنسانية" الذي يتضمنه الجزء الثاني نقرأ تحليلات مستفيضة عن واقع الكرامة الإنسانية واختلافات النظر إليها في مختلف المجتمعات وعلى مر العصور، لكن الكاتب ينتقل إلى "جوهر" الكرامة الإنسانية، كما اتفقت عليها مختلف المجتمعات البشرية ليؤسس عليها نظرته إلى ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى باعتباره كائناً أشد تميزاً وأكثر تعقيداً من أن ننظر إليه باعتباره محصلة مجموعة من الأجزاء المركبة بعضها مع بعض، وبناء على ذلك يرى أن التحفظ ضروري في الأبحاث المتصلة بالتطورات العلمية الحيوية المرتبطة بتعديلات للكائن البشري.
ثم يأتي إلى النقطة التي ينتظر القارئ رأيه فيها فإذا به يتوقف عن الرأي الصريح، بل يقدمه معتمداً على ما حدث في التاريخ! حيث يقول: "للوهلة الأولى، فإن مذهب الحقوق الطبيعية الذي يبني الكرامة الإنسانية على حقيقة أن النوع البشري يمتلك خصائص متفردة معينة سيبدو وكأنه يسمح بوجود تدرج في الحقوق يتوقف على درجة مشاركة العضو الفرد من هذا النوع في تلك الخصائص.
وعلى سبيل المثال، فالعجوز المصاب بمرض ألزهايمر قد فقد قدرة الشخص البالغ السوي على التفكير، ومن ثم فقد سُلب ذلك الجزء من كرامته الذي يتيح له المشاركة في السياسة بالتصويت أو الترشح للرئاسة. إن العقل، والخيار الأخلاقي، وامتلاك السلسلة الكاملة من العواطف الإنسانية على نحو نمطي هي أشياء مشتركة بين جميع البشر تقريباً. وبالتالي فهي تعمل كأساس للمساواة الشاملة. لكن الأفراد يمتلكون هذه الصفات بمقادير متفاوتة، فالبعض أحكم عقلاً، وأقوى ضميراً، أو لديه عواطف مرهفة أكثر من الآخرين. ومن ناحية، يمكن تحديد فروق دقيقة بين الأفراد بناء على درجة امتلاكهم لهذه الخصائص البشرية الأساسية، فيمنحون حقوقاً تتباين وفقاً لذلك. وقد حدث ذلك في التاريخ من قبل، وأطلق عليه اسم الارستقراطية الطبيعية. أما النظام الهرمي الذي تعنيه ضمناً، فهو أحد أسباب ارتياب الناس في مفهوم الحقوق الطبيعية"(1).
لا يخرج القارئ لكتاب مستقبلنا بعد البشري.. عواقب ثورة التقنية الحيوية لفرانسيس فوكوياما بآراء أو بنسق فلسفي متماسك، بل يستفيد من استعراضات تحليلية جيدة لعدد من القضايا المتصلة بالوجود البشري وعلاقته بالتطور العلمي، وخاصة في مجال ثورة التقنية الحيوية، أو ما يُعرف بـ الهندسة الوراثية" على الرغم من أن الأخيرة جزء من الثورة الحيوية التي تشتمل على كثير من الممارسات العلمية الواسعة، ولا غبار على كتاب تحليلي يسهم في إضاءة وعي القارئ بمشكلات في غاية الأهمية لعصرنا الحديث، لكن المشكلة تكمن في أن فوكوياما يريد أن يوهم القارئ بأنه فيلسوف يقدم منظومة فلسفية متماسكة، لكن القارئ يكتشف أنه لو توقف بتواضع عند مرحلة الوصف والتحليل لكان ذلك كافياً لجعل كتابه محملاً بقيمة علمية وفلسفية من نوع خاص، ولعل ذلك أفضل من التمسك بكرسي الفيلسوف في كتاباته، وهو يشغل كرسي الاقتصاد السياسي في كلية "بول نيتز" في الواقع الفعلي!!
ــــــــــــــــــ
*مستقبلنا بعد البشري.. عواقب ثورة التقنية الحيوية ـ فرانسيس فوكوياما ـ ت: إيهاب عبد الرحيم محمد ـ مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية ـ أبوظبي 2006.
(1) الكتاب صــ 217.           
 يمكن الحصول على نسخة الكتاب من خلال الوصلة التالية:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق