الخميس، 18 أغسطس 2011

اندهش.. ولكن!

محمد إسماعيل اللباني
  اندهش يا صديقي.. ولا تترك العادة تمنعك من التعجب والاندهاش.. تعجب من السخف والادعاء وفَقْد الأخلاق.. اندهش بقدر ما يمكنك حتى تحافظ على إنسانيتك ونقاء سريرتك، لكن احذر أن تظل مندهشاً طوال عمرك من البديهيات والمسلمات، فالدهشة أنواع: دهشة الأخلاقيين، ودهشة الساذجين، فإلى أيهما تميل؟ وأيهما تتخذها سلوكاً لك في الحياة؟ هل تختار دهشة الذين يخفقون في فهم الحياة وتظل تصدمهم بحقائقها المؤلمة؟ أم تختار دهشة الأخلاقيين الذين لا يتوقفون عن الحفاظ على سموهم الأخلاقي ورفعتهم السلوكية، وترفعهم عن التفاهات؟
  فالدهشة سلوك إنساني يأتي كرد فعل على موقف عقلي لا تتفق معه، أو موقف عاطفي لا تستريح له، فهي رد فعل طبيعي على ما يتفق مع فكرك وإحساسك. أما مستويات الدهشة فتتعدد بتعدد طرق النظر والرؤية، فهناك الدهشة الأولية التي تلازم الإنسان طوال مراحل عمره المختلفة، وتبدأ منذ مراحل الطفولة الأولى، فالطفل يعبر عن دهشته باكتشاف حقيقة معينة كامتداد الكون واتساعه، بما يناقض اعتقاده البدائي بمحدودية العالم الذي يعيش فيه، وتظل ملازمة للإنسان عندما يكتشف حقيقة من حقائق الحياة التي كانت غائبة عنه، وأتت ضد ما كان يعتقد أنه صحيح، كالصديق الذي يكتشف صفة في صديقة بناء على سلوك صدر منه، وهي صفة لم يكن يظن أنه موجودة في هذا الصديق، بل كان يستبعد وجودها بشكل مطلق.
  وتأتي الدهشة الناتجة عن الحساسية لتكون ألماً دائماً للإنسان، فالفرد الذي يطوعه التعود، وتغمره العادة بتكرارها يستطيع أن يتأقلم مع أشد الأمور سخافة في الحياة مع مرور الوقت، أما مَن يمتلك طاقة من الشعور والحساسية، وهو الذي لا يستجيب لحكم لعادة في هذه الأمور فإنه يظل معذباً باندهاشه من سلوكيات بشرية لا تروق له، أو من واقع مادي غير مريح، فالأول قد يرى على باب بيته كومة من القاذورات فيندهش لها، لكنه يتعود عليها مع مرور الوقت، أما الآخر فإنه، لفرط حساسيته، لا يستجيب لحكم العادة، ويظل رافضاً لهذا المنظر الذي يؤذي مشاعره من خلال النظر له يومياً، وكذلك يظل مندهشاً من عادات بشرية يرى أنها خطأ، ولا يستطيع أن يتأقلم معها، أو يتعود عليها.
  الدهشة تعبير عن أنك لا زلت حياً، وأنك تشعر بما حولك، وفي هذه الحالة إن فقدت الاندهاش فقد فقدت الحياة. فهي انفعال يدل على أنك لا زلت في حالة من السمو الأخلاقي والحساسية الإنسانية التي تمنعك من التورط في "التعود" على الكذب والخداع والنفاق والغش والتزوير. أما الدهشة "الساذجة" فهي أن يظل الإنسان دائماً في حالة من التعجب والاندهاش من حقائق أساسية في الحياة كحقيقة أننا كلنا بشر لنا مطامعنا الخاصة في السعي والعمل، ولنا تطلعاتنا المؤثرة على آرائنا ولدى كل واحد فينا ما يكفي ليصبح رأيه الصادر عنه موضع أخذ ورد، وموضع تساؤل وشك؛ لأنه مبني على أساس الظروف الفردية لصاحب الرأي الذي أنتجها، عندما نظل نندهش من حقيقة كهذه، وكثير منا يظل طوال عمره مندهشاً من ذلك، فمعناه أننا لم نتعلم من الحياة شيئاً، ولم نستفد منها في ترقية أفهامنا. وهي من أخطر أنواع الدهشة وأشدها تأثيراً على النضج العقلي والشعوري المطلوب في الحياة، ذلك النضح الذي يجب أن يتحلى به من يواجه الحياة وصعوباتها.
  ومن العجب أننا كثيراً ما نجد حولنا نماذج من الناس الذين يجمعون بين التعود، أي الاستجابة التدريجية لما لا يحبون أو يقتنعون مع مرور الوقت، إضافة إلى استمرارهم في الاندهاش من حقائق الحياة الأولية!!.
  أما الدهشة التي أدعوك إليها فهي التي تحفظ كيانك من الانجراف نحو هاوية السقوط الأخلاقي، فاحذر أن تتعود على عدم الوفاء بالوعد، واحذر أن تصيبك عدوى الكذب المنتشرة في كل مكان حولك، وإياك أن تستجيب لدعوى أن الجميع يفعل كذا، فلماذا لا أفعل مثلهم؟!.. فهي بداية السقوط في الهاوية!!
ellebany@hotmail.com  

هناك تعليق واحد:

  1. الدهشة مقياس الحياة ، كل جمال إنما يعبر عن درجته بمقدار دهشتنا أمامه ، مقال رائع

    ردحذف