الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

محمد أركون.. فيلسوف إسلامي يجذر فكر "الأنسنة"

محمد إسماعيل اللباني
قدم محمد أركون، على مدار مسيرته الفكرية الحافلة، "تاريخاً" طويلاً من القراءة الفكرية النقدية للتراث الفكري العربي، مبتدئاً تاريخه بتلك القراءة الناضجة "نزعة الأنسنة في الفكر العربي" التي قدم من خلالها رؤيته لجيل مسكويه والتوحيدي، متسائلاً عن تلك النزعة الإنسانية التي بزغت فترة زمنية محددة هي فترة الفكر الكلاسيكي العربي في عصور ازدهاره، ثم اختفت مخلفة وراءها ما اتُفق على تسميته بعصور التراجع أو الانحطاط في الثقافة العربية. يقرأ أركون تلك النزعة الإنسانية وعينه على الواقع التاريخي القائم في العالم الإسلامي والعالم العربي، أما ذهنه وعقله فهو مشغول بتتابعات وتراكمات الفتوح المعرفية في ضوء المنهجيات الأبستمولوجية واللسانية والدراسات التاريخية في الغرب.. فعين ترى واقع أمته بما فيه من إخفاقات أو تراجعات، وعقل يحلل بناء على رؤية نقدية مستمدة من أحدث ما وصلت له المعارف الغربية في مجال الدراسات الإنسانية.
وقد تحرك محمد أركون، عبر تلك المسيرة الفكرية على جبهات مختلفة، باعتبار أنه مفكر ينتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية، ويقيم في الغرب ويغترف من ثقافته ويعرف أبعاد حضارته وتطوراته، على عدة جبهات يحاول من خلالها أن يقدم إسهاماته الفكرية والفلسفية التي منحته تلك المكانة في الفكر الإسلامي المعاصر، والسؤال الذي يمكن لنا أن نتخذه محوراً للنظر في التجربة الفكرية لمحمد أركون هو: ما الجبهات التي توجه محمد أركون إليها بالقراءة والنظر والرؤية النقدية وبالمواجهة أحياناً؟
1 ـ جبهة الاستشراق:
رأى محمد أركون أن العلماء الغربيين الذين درسوا التراث الإسلامي قدموا دراسات "فيلولولوجية" وتحقيقات لغوية للتراث الإسلامي تستحق التقدير والاحترام على جهدهم المبذول، لكنه رأى على الجانب الآخر أنهم توقفوا عند هذه المرحلة "التحقيقية" لكتب التراث الإسلامي، وعندما تناولوا موضوعاً من موضوعاته الفكرية فإنهم لم يتجاوزوا النظرة المدرسية التعليمية التي يبحثون من خلالها عن حياة الفكرة وأوجه الشبه بينها وبين فكرة أخرى، واشتراك أحد من العلماء أو الأدباء مع غيره في تلك الفكرة التراثية، دون أن يقيموا نسقاً أبستمولوجياً يستطيع القارئ من خلاله أن يرى مسارات الفكر الإسلامي في عموميته وشموليته. ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء المستشرقين، بحسب رؤية محمد أركون، لم يقوموا بموضعة المسار الفكري الإسلامي في بيئته التاريخية، ولم يتناولوا الأبعاد البيئية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، المؤثرة في الفكر الإسلامي، ولم يدرسوا تلك الجوانب المؤثرة والمنتجة للأطر الفكرية التي يتناولونها في دراساتهم، فأتت دراساتهم الفكرية للتراث الإسلامي منتزعة من بيئتها الفعلية ومحلقة في مجالات هي أبعد ما تكون عنه، إنها مجالات "الفكر الخالص" الذي يُسمى "الفكر الإسلامي"، وهي التسمية التي يكرر محمد أركون رفضه لها في دراسات المستشرقين، فهي تعني، ضمن ما تعني، أنه طالما أن الإنسان يدين بالإسلام، أو أن المجتمع بشكل عام هو مجتمع إسلامي، فلابد أن تكون الحتمية الفكرية الناتجة عن ذلك هي مجموعة الأفكار التي يقدمها المستشرقون في دراساتهم، فهم يقدمونها بشكل كمي تراكمي بغض النظر عن السياق التاريخي الذي أنتجت فيه. ناقش محمد أركون تلك النقطة في العديد من كتاباته وناقشها مع العديد من المستشرقين في الدول الغربية، حيث كان يقيم. فكان الرد عليه، من قِبل المستشرقين، أننا ندرس الفكر الإسلامي ونقدمه كما هو، وعلى أصحاب الفكر أنفسهم أن يقوموا بدراسته تلك الدراسات النقدية التي تسمح لهم بالتطور نحو المنهجيات الحديثة في الدراسة والرؤية والنظر إلى تراثهم. بالطبع لم يقتنع محمد أركون بتلك الردود وحاول في كثير من كتاباته أن يرد على كثير منها من خلال اعتباره أن هذا الموقف ما هو إلا موقف "هروبي" من جانب المستشرقين الذين أسهموا بتأبيد حالة "الصنمية" التي ينظرون بها للفكر الإسلامي، والتي لا يختلفون فيها عن كثير من الأصوليين الإسلاميين الذين يتعاملون مع التراث باعتباره كتلة صماء لا تقبل المناقشة أو التفكيك أو الرؤية النقدية.
1 ـ جبهة التراث:
استطاع محمد أركون أن يقتحم التراث الفكري الإسلامي بمقدرة واضحة بعد أن امتلك آليات القراءة والرؤية النقدية التي استطاع بها أن يرصد مسارات التقدم والتراجع في الفكر الإسلامي، وقدم العديد من القراءات التي بدأت بكتابه "نزعة الأنسنة في الفكر العربي" الذي يبدأ بتقديمه في طبعته المترجمة للغة العربية متحدثاً عن تلك النزعة التبجيلية في النظر لكل ما هو تراثي وقد انتشرت في العالم الإسلامي بعد فترة الخمسينات من القرن العشرين والتي كان من المنتظر أن تكون فترة مراجعة فعلية ونقدية للتراث الإسلامي، بعد التخلص من الاحتلال الأجنبي، فإذا بها تكون فترة انتكاسة فكرية تتراجع فيها الرؤية النقدية ويغيب فيها العقل لصالح تجييش الجماهير بخطاب ديني يقوم على دغدغة العواطف واستلاب الذهن والشعور نحو الاستخدام السياسي للدين، فإذا بالاحتلال ينتقل من الآخر في صورة استعمار، إلى الذات في صورة التراث. ثم يتساءل عن غياب النزعة الإنسانية للفكر الإسلامي في عصرنا الحاضر قائلاً: "ما هو سبب ازدهار النزعة الإنسانية أثناء العصر الكلاسيكي، ثم انقراضها بعد ذلك من ساحة المجتمعات الإسلامية والعربية. ما هو هذا القدر التراجيدي الذي أصابها فجعلها تختفي وتموت؟ في الواقع أن البعد التراجيدي خاص بكل المجتمعات البشرية وليس فقط بالمجتمعات الإسلامية. فلا يخلو منه تاريخ أي مجتمع، ويكفي أن نقرأ التاريخ الكوني لكي نتأكد من ذلك. ولكن بعض المجتمعات تسيطر على العامل التراجيدي أو تحد منه أو تعوض عنه بشيء آخر (انظر حالة المجتمعات الأوروبية مثلاً. فقد عرفت الحروب والمآسي الضخمة في تاريخها القريب والبعيد. ولكنها استطاعت أن تتطور وتتجاوز ذلك). وليست هذه هي حالة المجتمعات الإسلامية المعاصرة. فالمأساة عامة تقريباً في تاريخها، وقد تكررت كثيراً منذ عدة قرون، ولم تعرف كيف تنهض أو تتجاوز قدرها التاريخي حتى الآن. بل ونكاد نشعر أحياناً بأن تاريخ المجتمعات العربية والإسلامية هو تاريخ معكوس: بمعنى أنه يمشي عكس التيار، أقصد عكس تيار الحضارة والرقي". (صــ11 نزعة الأنسنة)
أما في كتابة "الفكر العربي" فإن محمد أركون يطل إطلالة إجمالية على التراث الفكري العربي/ الإسلامي بشكل مكثف، فيأتي الكتاب في حجم صغير نسبياً بالنظر إلى كتبه الأخرى، لكنه يقوم برصد الكثر من مسارات هذا الفكر ويعرض من خلاله للمعضلة الأساسية وهي كيفية دراسة الفكر العربي في العصر الحاضر، ما هي المنهجية العلمية التي نستطيع بها في عصرنا أن نعاين الفكر الذي يتغلغل في نفوسنا دون أن ندرك أبعاد تأثيراته الفعلية فيقترح "حالة دراسة" للنظر في الفكر العربي/ الإسلامي من خلال الرؤية النقدية والتسلح بالعلوم الحداثية التي تسمح لنا بأن نكون على مسافة مناسبة من الرؤية والنظر والتعقل لنتمكن من رصد حالات التواصل والانقطاع وتبادل التأثير والتأثر بين مختلف جوانب هذا الفكر فيقدم أركون "رؤية بانورامية" شاملة دون أن يتوقف عند جزئيات هنا أو هناك. فكتاب "الفكر العربي" نستطيع أن نسميه "مخططاً بحثياً" أو "ورقة عمل" أو منهجية أبستمولوجية للرؤية والنظر في تراثنا الفكري، وهي رؤية كانت تستحق تقديم الكثير من الدراسات التي تقوم عليها أو تستهدي بما أضاءته من أنفاق تكاد تكون معتمة وتحتاج إلى المزيد من الإضاءة لرؤية الذات بطريقة عقلانية ناضجة.
3 ـ جبهة الأنسنة كمنطلق:
لو نظرنا إلى حركة الأنسنة (Humanism) في الفكر الأوربي والتي أنتجت وترافقت مع النهضة الأوربية ابتداء من القرن السادس عشر وتبلورت في القرن الثامن عشر، لوجدنا أنها منطلق محمد أركون في نظرته إلى الواقع المعاصر للمجتمعات الأوربية، والنظر إلى التراث الإسلامي وكذلك النظر للمجتمعات الأوربية في تاريخيتها الفكرية. فهذه الحركة التي تعني النظر للجانب الإنساني في الوجود البشري والتوجه إلى الإنسان كقيمة عليا، وأحياناً كقيمة مطلقة، مما يعني بلورة اتجاهات النظر الفكري بعيداً عن المطلق الديني في توجهات الحياة العملية والفعاليات العلمية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة، مع الحفاظ على الرؤية الدينية في إطلاقيتها ونظرتها المتعالية على الواقع كوجود ذاتي يستطيع من خلاله "المؤمن" أن يتوجه عن طريق تلك النظرة إلى حياته الدينية والتعبدية والأخلاقية، لكنه يكون مبتعداً عنها عندما يتوجه إلى رؤية الواقع بتبدلاته وتغيراته ولا يخلط بين النسبي (الواقع البشري) والمطلق (الرؤية الدينية) عند ممارسته لمناشط حياته المختلفة.
اتخذ أركون من "الأنسنة" رؤية أو نقطة انطلاق في تحقيق مشروعه الفكري، بحيث تصل إلى درجة "القيمة الأساسية"، ورأى أن الحضارة العربية الإسلامية استطاعت أن تقود الحضارة البشرية في الفترة التي نشطت فيها حالة الأنسنة تلك، ووجد من التراث الإسلامي ما يدعم نظرته في عدد من العلماء والأدباء الذين قدموا تلك الرؤية النسبية التي انطلقت عن طريق ابن رشد إلى أوربا فكانت لبنة أولى من لبنات النهضة الأوربية فيما بعد ذلك.
4 ـ نقد الفكر الغربي:
لم يتوقف محمد أركون، بمنهجيته النقدية، عند نقد التاريخ الفكري المؤدلج والأفكار المطلقة والمتعالية في الحضارة العربية والإسلامية، بل تجاوز ذلك إلى نقد الحضارة الغربية ذاتها، معتمداً على منهجية نقدية متأصلة في الفكر الأوروبي ذاته، لكنها متجاوزة لكثير من الأطروحات الغربية في رؤية الذات المتعالية على الواقع والتاريخ، فأطروحاته النقدية للفكر الأوروبي كانت نحو إرجاعه إلى حالته التاريخية وشده إلى أرض الواقع الفعلي الذي نشأ فيه، إضافة لفهم مخاتلات الواقع وتوظيفات السياسة للجوانب الفكرية، وبما ينتج عنها من استخدام واستغلال إعلامي لتكوين صورة الآخر (وهو هنا الآخر الإسلامي)، فهو مثلاً ينتقد ما أسماه "العلمانوية" الغربية، قاصداً وضعها على طرف نقيض نسبي مع "العلمانية"، فالأولى هي التي أزاحت الدين من الحياة ومن الدراسات المدرسية للطلاب بشكل تعسفي بحجة أن الدولة العلمانية لا يجب أن تدرس الدين في مدارسها، وهو بذلك يستشهد بالبلد التي يقيم فيها وهي فرنسا، ويرى أركون أن هذه "العلمانوية" المتكلفة قد أضرت بالفهم الحقيقي للدين، فقد كان من الأولى، في رأيه، أن يدرس الطالب التجربة الدينية البشرية، فهو لا يقصد أن يدرس الدين بطريقة "أرثوذكسية" جامدة بحسب النظر في اتجاه واحد، بل قصد دراسة مقارنة للتجربة الدينية التي يستطيع من خلالها الطالب أن يوسع من أفق رؤيته لتلك التجربة التي كانت وما زالت تمثل أهمية عظمى في الوجود البشري، ومن ناحية أخرى يستطيع الطالب في مراحل التعليم المختلفة أن يتفهم مدى قدرة الدين على أن يكون تجربة روحية وأخلاقية تمده بما يحتاج إليه من قدرة على مجابهة جفاف الحياة المادية التي تحيط به من كل جانب في حياته الغربية. أما التوجه "العلماني" العقلاني الذي كان يدعو إليه فهو دراسة الدين في جانبه العلمي ومطالعة تجربة الوجود البشري الحضاري عبر التاريخ من خلال الدين باعتباره أحد أهم محركات هذا التاريخ دون أن يكون هو الجانب الأوحد كما يعتقد البعض، إنها العلمانية المنفتحة على الآخر، العلمانية المتسامحة، التي تقبل المتدين وغير المتدين في إطار من قوانين الحقوق والواجبات التي تمتد لتغطي جميع مناشط الحياة دون تحيز أو محاباة. وقد كشفت تلك النظر التي تبناها محمد أركون منذ عدة عقود عن أهميتها أمام المد المواجه للتطرف الإسلامي في المجتمعات الغربية، وليس أدل على ذلك من تلك الحملات المسعورة التي تأتي ضد بناء المساجد وبناء المآذن وحملات حرق المصاحف وغيرها من الحملات التي لم يكن لها لتقوم لولا عملية الجهل المبرمج التي تقوم بها وسائل الإعلام الغربي ضد الدين الإسلامي وحياة المجتمعات الإسلامية. فلم يعد من الممكن، في ظل حالة التعبئة الإعلامية، أن يفرق المواطن الأوروبي العادي بين أفراد متطرفين يقومون بعمليات تدميرية لأهدافهم الخاصة وبين جموع المسلمين الذين يمارسون واجياتهم الدينية باعتدال ودون إثارة أية مشكلات مع الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى. ولعل حالة التجهيل واستبعاد دراسة الدين، وخاصة مادة الأديان المقارنة، من المناهج الدراسية هي التي سمحت بتلك الحالة من الهياج غير المبرر على كل ما يمثل رمزاً من الرموز الإسلامية مهما كان نوعه، ولا نعلم إلى أي مدى ستصل في ظل حالة التغذية الإعلامية الدائمة للاستقطاب بين أطراف المجموعات الدينية في الدول الغربية.
من كتبه الأخيرة نجد كتاب "من منهاتن إلى بغداد.. ما وراء الخير والشر" يقوم محمد أركون بتجربة التواصل بدلاً من تلك التجربة الانقطاعية التي أحدثتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر بين الثقافتين الغربية والإسلامية وأججت حالة من الصراع والكراهية وتباعد وجهات النظر حول مختلف القضايا في موجبات الحياة للإنسان المعاصر وطرق تدبيرها وأسلوب تبادل العلاقة مع الآخر. يبدو التواصل من العنوان عندما يربط بين "منهاتن" مكان التفجيرات في نيويورك وبغداد مكان شن الحرب التي قامت بها الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش الابن، ثم التواصل من خلال شكل تأليف الكتاب، حيث قام محمد أركون بكتابته بناء على حوارات قامت مع "جوزيف مايلا" كممثل للجانب الغربي فكان مشاركاً له في تأليف الكتاب. إضافة إلى ذلك نجد العنوان الجانبي للكتاب "ما وراء الخير والشر" يلتقط ما ورد من تلاعبات سياسية للرئيس الأمريكي جورج بوش في تقسيم العالم إلى محورين، محور الخير ومحور الشر، فيأخذ محمد أركون تلك العبارة لتوجيهها وجهة فلسفية لتكون مطابقة لأحد عناوين كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي ألف كتاباً بالعنوان ذاته "ما وراء الخير والشر". ثم يعمل أركون على تفكيك الخطاب السياسي الصراعي وكشف ما وراءه من قدرة على التعبئة وتوجيه الأذهان نحو سطحية التناول للشأن البشري، والتغطية على كثير من "الجرائم" التي ترتكب في ظل ذلك، ويعود هو وجوزيف مايلا إلى تحليل تراث "المعنى" لدى الجانبين، الإسلامي والغربي، الذي ولّد تلك الحالة من العنف والعنف المضاد، في إشارة إلى ما كان محمد أركون يحذر منه دائماً على مدار أربعين سنة من أن حالة الاستقطاب التي تعيشها المجتمعات المعاصرة نحو تكوين صورة ملائكية مضخمة عن الذات، وصورة شيطانية مهوَّلة عن الآخر هي التي تلعب بالمخيال الجمعي العام لمختلف الجماهير على الجانبين لتأتي لحظة الانفجار بما يضر بالطرفين، ولا يضر بطرف واحد على حساب الآخر، بل إن خسائر سوء الفهم والتفاهم تشمل بنتائجها جميع الدول والمجتمعات المعاصرة في عصر أصبحت فيه الكرة الأرضية قرية صغيرة تنطلق المتغيرات والأحداث المؤثرة على حياة البشر فيها من أقصاها إلى أقصاها في أيام معدودة، إن لم يكن في ساعات.  
إنتاج المعنى واستهلاكه
مثلت موضوعة "آليات إنتاج إنتاج المعنى واستهلاكه في المجتمعات المعاصرة"، سواء الإسلامية أو الغربية "تيمة" أساسية في فكر محمد أركون، ففي كتاب "الإسلام، الغرب، أوروبا.. رهانات المعنى وإرادات الهيمنة" يحلل تلك الحالة كظاهرة بشرية عرفتها كل المجتمعات على مدار تاريخها الإنساني، حيث يمر المعنى المنتج في ظل ظروف تاريخية معينة بظروف للإنتاج وتقلبات وتغيرات في إعادة الإنتاج والاستهلاك متشابهة تقريباً في المجتمعات الإنسانية، لكن الاختلاف الواقع بين مجتمعات الحداثة ومجتمعات ما قبل الحداثة هو الفارق في الوعي بتلك النشاطات وعدم الوعي بها، هو الفارق بين رؤية الذات من خلال المعنى المنتج بإرادة حرة واعية، والمعنى التاريخي المفروض من عصور أخرى، أو من مجتمعات مخالفة دون قدرة على تجذيره في بيئة مختلفة ومخالفة في الظروف والتوجهات. وقد اعتمد أركون في هذا التحليل على ما قدمه المفكر الفرنسي "بيير بورديو" من مفهوم حول "الرأسمال الرمزي" الذي لفت إلى كيفية تحول المعنى في المجتمع البشري إلى "كيان" قابل للتبادل والإنتاج والاستهلاك والتغير، كما يحدث للسلع المادية، ولكن الاختلافات تتسع في المعنى لتشمل تبدلات الإنتاج والرؤية بين جيل وآخر، وقدرة كل جيل على إعادة الرؤية وتلوين المعنى المنتج قديماً بواقع حياتهم المعاش. كما اعتمد أركون على ما قدمه ميشيل فوكو في آليات الخطاب المعرفي وتلويناته وتبدلاته في مختلف المجتمعات. إضافة إلى الاستفادة بما قام به المفكر كلود ليفي شتراوس في دراسة المجتمعات البشرية في درجات مشاركتها الحضارية ومستويات هذه المشاركة، ودور "المعنى" في تغيير الحالة الحضارية أو دور المعنى المنتج في التشكل بالحالة الحضارية القائمة لأصحاب تلك المجتمعات.  
ثنائية التوجه
أدرك محمد أركون أبعاد الوضعية الصعبة التي يعاني منها المثقف الحر في المجتمعات النامية عموماً، وفي المجتمعات العربية خصوصاً، وتحدث عن هذه الوضعية في مؤلفاته. أما الجانب الآخر من تلك الوضعية فكان محمد أركون نفسه، فرغم أنه كان يعيش في دولة أوروبية (فرنسا) ويكتب بحرية، ويمارس عمله الأكاديمي كما يريد أن يقوم به، إلا أنه كان عربي الأصل (من الجزائر) ولم يرد بالطبع أن يتنكر لأصوله، بل قام بكل مجهوده الفكري بناء على هذا الانتماء للثقافة العربية الإسلامية. لكن هذه الوضعية جعلت من خطابه الفكري خطاباً ذا جانبين. الجانب الأول الذي يتوجه له بخطابه هو الجانب الأوربي، وهو الجانب الذي يحاول من خلاله أن يمنع تراكمات سوء الفهم للإسلام والحضارة الإسلامية التي نتجت عن الكتابات الصحفية المتسرعة، أو عن الكتابات الاستشراقية ذات الطابع المدرسي غير النقدي، وهذا ما تسبب في اتهامه بـ "الأصولية" أو الانتماء إلى الجانب المحافظ في الفكر الإسلامي في كثير من المواقف، أو على أفضل الأحوال كان يرى علامات التعجب ممن يستمعون إليه وينظرون إلى اسمه متعجبين من أن يأتي الفكر النقدي ممن ينتمي إلى "الإسلام". أما على الجانب الآخر فكان خطابه المتوجه إلى العالم الإسلامي يشتمل على تلك الحاسة النقدية التي من خلالها يحاول أن يرصد تجليات الخروج من التاريخ التي يعاني من العالم الإسلامي والعربي، ويحاول أن يضع يده على الجرح الثقافي والفكري مشخصاً ومعللاً الداء ومشيراً إلى الدواء، وهذا ما تسبب في اتهامه بالخروج عن دائرة الفكر الإسلامي والارتماء في أحضان الغرب والنهل من الدراسات الاستشراقية المعادية للإسلام والمسلمين. كان قدر محمد أركون أن يعيش في تلك الحالة من التنازع التي شخص بها حالة الثقافة الإسلامية فإذا به يعاني منها على المستوى الشخصي، فلا هو مقبول في الغرب لانتمائه الإسلامي، ولا هو مقبول عند المسلمين لإقامته في الغرب وتطبيقه للمنهجيات الغربية في دراسة الإسلام أو الثقافة العربية.
طبيعة العمل الفكري
المطلع على مؤلفات محمد أركون يلحظ "التيمة" التكرارية التي تغطي أغلب مؤلفاته، ولكن التكرار لا يأتي لديه بمعناه المعتاد، بل إنه يمحص الفكرة عند تكرارها بشكل يجعلها وكأنها تعرض للمرة الأولى. وفي كل مرة يقدم زاوية للنظر أكثر اتساعاً، أو جانباً من التحليل يختلف عن الجانب السابق ولا يخالفه، أو يعيد طرح الفكرة في ضوء تطور في الدراسات التطبيقية لقراءة التراث الثقافي. في كتابه "قضايا في نقد العقل الديني" يبدأ تقديم الكتاب بمقولة للمفكر الفرنسي بيير بورديو لتبرير هذه النقطة في منهجية عمله الفكري، حيث يقول: "وإذا ما حصل أن ركّزت على الموضوعات ذاتها وعدت إليها مراراً وتكراراً، وإذا ما حصل لي أكثر من مرة أن درست المسائل نفسها وأشبعتها تمحيصاً وتحليلاً، فإن ذلك عائد ليس إلى رغبة في الاجترار المجاني أو الهوس المرضي. وإنما أريد عن طريق هذه الحركة اللولبية أو الحلزونية في الدراسة (أو الالتفاف على الموضوعات) أن أصل في كل مرة إلى درجة أعلى وأدق من الفهم للمسائل المطروحة. كما أن ذلك يتيح لي في كل مرة أن أكتشف علاقات خفية أو علاقات جديدة لم ألمحها سابقاً. وبالتالي فإني لا أفعل ذلك من أجل التكرار أو الاجترار، وإنما من أجل شيء آخر". (صــ 17)
إن نظرة على موضوعات كتب محمد أركون من خلال محاور اهتماماته التي تتجلى في عناوين تلك الكتب تكشف لنا عن محاور اهتمام في غاية التركيز والمحورية فيما يتصل بالفكر الإسلامي، فنجد العناوين التالية لبعض كتبه، مثل:
ـ الفكر الإسلامي.. قراءة علمية.
ـ تاريخية الفكر الإسلامي.. نقد واجتهاد.
ـ نافذة على الإسلام.
ـ أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟
ـ العلمنة والدين.. الإسلام، المسيحية، الغرب؟
ـ قضايا في نقد العقل الديني.. كيف نفهم الإسلام اليوم؟
ـ نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي.
ويرحل عنا محمد أركون مخلفاً العديد من المشاريع الفكرية التي تُعد "مخططات" لمشروعات بحثية تحتاج إلى تضافر جهود مؤسسات بحثية للقيام بها، وتمثل منطلقاً مهماً لمن يريد أن يعمل عليها من المفكرين والباحثين، فقد قدم الكثير من الأعمال التي لم يرد أن يقول فيها كلمة أخيرة، فقد رأي أن الكلمة الأخيرة غير ممكنة في المجال الفكري من ناحية، كما رأى أن القيام بالتصورات الواسعة للأطر الأبستمولوجية في الفكر العربي والإسلامي وتحديد تلك الأطر من خلال "الإشارة" إليها هي ما تحتاج إليه ثقافتنا من ناحية أخرى؛ للخروج من حالة الدراسة التجزيئية إلى حالة الرؤية التجميعية، للانتقال من دراسة الأجزء إلى الانخراط في الرؤى والأنساق، بحثاً عن حالة من الوعي الذي نستطيع من خلاله أن نعاين عصراً نتمنى أن يكون أفضل مما نعيش فيه ولا نستطيع تغييره، وخاصة عندما نلجأ إلى حلول "ترقيعية" و"تلفيقية" لواقعنا، ولا نبحث جذور مشكلاتنا في تأصيلاتها الأولية. يرحل محمد أركون مخلفاً لنا موقفاً صعباً لمواجهة قدرنا التاريخي الذي حاول كثيراً أن يسهم في تغييره من خلال تنبيهنا إلى ضرورة تغيير الشرط التاريخي المنتج لتلك الوضعية، وبدون تغيير هذا الشرط التاريخي لا يمكن لنا أن نصل إلى ما دعا إليه في مؤلفاته وما قدمه من تحليلات تكشف عن عمق في الرؤية وقدرة على التشخيص، وهي القدرة التي تحتاج إلى متابعة مسيرتها والسعي نحو تقصي جوانب القوة فيها لجعلها منهجيات عمل نحو تحقيق ما ننادي به من تغيير في أحوالنا، لكننا كثيراً ما نرفض طريق العلاج الصعب الذي يقدمه محمد أركون دون إيهام أو خداع.  
ellebany@hotmail.com
 يمكن تحميل بعض كتب محمد أركون من الروابط التالية:
         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق