الاثنين، 8 أغسطس 2011

أركيولوجيا المعنى.. لمحة تأسيسية


محمد إسماعيل اللباني
  يتحدث محمد أركون عن مصطلح "أركيولوجيا المعنى" في كتابه الإسلام والعلمنة، ومستوى الوضوح الدلالي للمصطلح يتضح من التركيب الواضح في إضافة كلمة المعنى إلى كلمة "أركيولوجيا" والتي تعني الحفر التراثي، بل والأثري الذي يؤدي إلى اكتشاف دلالات الحفريات المختلفة والآثار الباقية لحيوات زالت عنا واختفت، وبقي علينا أن نعرفها من خلال تلك الآثار القليلة التي وصلتنا عنهم. هذا من ناحية الوضوح الدلالي، أما الصعوبة فهي تبدأ من هنا.
  وعند "هنا" المقصودة نتوقف لنستوضح مدى الصعوبات التي تواجه الباحث في تاريخية المعنى، أولاً، ثم الباحث في "أركيولوجيا المعنى" ثانياً. فنحن في ظل ثقافة لا نستطيع من خلالها أن نتحدث عن أية تاريخية من أي نوع، فما بالنا بـ "تاريخية" اللغة التي من المحتم أنها سوف تكشف عن كثير من الأقنعة الزائفة التي وضعناها على المعاني، أو التي وضعتها المعاني على حياتنا وعقولنا وأفهامنا. أما مرحلة البحث الأركيولوجي، وكما أفهمها، فهي أخطر من ذلك بمراحل، إنها تلك الدراسات التي تستطيع أن تبحث في بقايا المعاني التي تحملها الكلمات ولا تزال تحاول أن تواجه الموت، أي الكلمات، من خلال الحياة في أثواب مختلفة من الدلالات التي لم يكن القدماء يعرفون عنها شيئاً، هذه الدراسات التي نستطيع من خلالها أن نمشي مع الكلمات عبر مسار تاريخي تراجعي، من الحاضر إلى الخلف، هي التي من الممكن أن تقدم لنا مستوى مناسب من مستويات الفهم لطبيعة الدلالة اللغوية، وبالتالي فهم طبيعة تلاعبات المعنى التي تصنع الإنسان في مجتمعاتنا، وهل إنسان مجتمعنا إلا مجموعة من الدلالات التي تربى عليها في فهم العالم من حوله من خلال المعنى الذي حملته له الكلمات عبر وسائط التربية، التي نقلتها، بدورها، عن تاريخ طويل يمتد من الآباء إلى الأجداد إلى أجداد الأجداد.
  هذا المستوى من الفهم يفتح آفاق المعنى نحو مستوى مختلف تماماً في الفهم والقدرة عليه، وفي تصور العالم واستيعابه، وأهم من ذلك في فهم الدين وممارسته، ذلك لأن أكبر عنصر من العناصر التي يبدو فيها تلاعبات المعنى هي في الدين، بل والسياق الديني بشكل عام، وفي أي دين من الأديان، أقول أي دين؛ لأن المقصود بهذه التلاعبات هي فعلاً ما تنطبق على جميع الأديان وليس على دين محدد، من المهم هنا لفت الانتباه إلى أنني قلت أي دين ولم أقل أي خطاب لغوي، وعلى الرغم من أن العبارتين صحيحتان، كل منهما في سياقها، إلا أن المقصود في السياق الحالي أن نسمح بتمرير العبارة الأولى في سبيل التمويه والتغطية على العبارة الثانية، أي خطاب، فأي خطاب يحيلنا إلى مختلف الخطابات العلمية، بل والثقافية التي تؤثر فيها تاريخية المعنى ونهتم بالكشف عنها، بشكل أو بآخر، وهذا صحيح، أما عبارة أي دين فهي أكثر شمولية وليست أكثر تحديداً كما قد نتوهم، لماذا؟ لأنه بالنظر إلى طبيعة الخطاب الديني، نجد أنه مهيأ، تماماً وبحسب تكوينه الدوجماطيقي، للعبور والانتقال عبر الزمان والمكان ليصنع طريقته الخاصة. هذه الطريقة التي تتلخص في المطلق، وتحاول دائماً أن تدور حول التلاعبات لتهيء لنا أنها أتت بالمعنى خالصاً وصافياً دون شائبة، عبر الزمان والمكان، وما أبعد هذا "التوهم" عن الحقيقة! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق