أن نتعاطف مع إنسان معناه أن نحاول مسح دمعة سقطت من عينيه أمام مشكلات الحياة، أو نشعره أننا معه في مواجهته لصعوبات الظروف، أو نحاول مساعدته بما نستطيع، التعاطف من العاطفة أي الحس والشعور، وللمشاعر دور هام في عقد الروابط والصلات بين أفراد المجتمع، والتعاطف لا ينفع أو يجدي إذا لم يقم على إحساس صادق، وشعور حقيقي، فالإنسان الذي يتصنع التعاطف مع الآخرين دون أن ينبع إحساسه من أعماق ذاته، لابد أن ينكشف أمره للآخرين، ويعرفون، عاجلاً أو آجلاً، أنه يتصنع في مشاعره؛ لتحقيق هدف أو للبحث عن مغنم شخصي.
ونستطيع أن نفرق بين نوعين من التعاطف، نراهما في حياتنا: التعاطف الجوهري، والتعاطف الانفعالي، الأول نابع من عاطفة حقيقية تدعمها حالة التفاهم العقلي، والفهم السليم المعتدل دون مبالغة أو تهوين، أما النوع الثاني فقد يكون ناتجاً من نواتج سوء الفهم، أو الانفعال الطارئ دون ركائز أساسية يعتمد عليها للاستمرار والتطور.
التعاطف الإنساني الجوهري حالة تتكون في النفس المرهفة على مراحل الحياة المتعددة، وتتبلور بالتربية والثقافة وبمختلف الوسائل المعينة أو المثبطة لها، أما التعاطف الإنساني الانفعالي فهو حالة ترتبط بطبيعة الإنسان شديد التأثر شديد النسيان، ففي الحالة الأولى يكون الشعور بالتعاطف الإنساني تجاه الآخرين وليد فترات زمنية متعددة من عمر الإنسان، بعد طبيعة تكوينه الأساسية، ويأتي الفهم العقلي لكي يدعم هذه الطاقة الشعورية الرفيعة، وكلما زادت حدة الفهم العقلي زادت حدة وقوة هذا الشعور؛ وذلك لأنه حالة من الموقف الإنساني المؤسس على قواعد قوية وراسخة من الفهم العام للطبيعة البشرية.
أما حالة التعاطف الشعوري الطارئة فهي، غالباً، مرافقة للتواضع في القدرات العقلية ومحدودية الفهم العميق، وتصيب صاحبها بحالة من الانفعال الشديد الذي يندفع في طريقه جارفاً كل ما عداه، وهو انفعال في غاية القوة والشدة، ولكنه سريع الزوال، فما أن ينتهي الموقف الانفعالي الذي ولَّد تلك الحالة حتى لا يلبث صاحبها أن يكون في حالة أخرى يعجب الإنسان لها، ولكنها، في الحقيقة، منسجمة تماماً مع مجمل الموقف العام الذي عايشه هذا الشخص، صاحب التعاطف الانفعالي، ومتناسبة تماماً مع مكونات شخصيته.
فعندما يقف الصديق أمام صديقه، بالحق أو بالباطل، ينحاز إلى الجانب الانفعالي، لأنه إذا كان متعاطفاً معه على أساس سليم لرده عن خطئه الذي يوصله إلى المهالك، على المدى البعيد، وإذا تعاطف الأب مع ابنه وكان حريصاً عليه ألزمة باتباع الضوابط السلوكية القويمة، مهما كانت صعوبتها على نفسه، حرصاً على تكوينه وتهيئته للحياة بشكل سليم.
وقد رأى أحد الفلاسفة "نيتشه" في التعاطف الإنساني بين أفراد المجتمع نوعاً من أنواع الضعف، من ناحية المتعاطِف والمتعاطَف معه، ويرى أن الإنسان الذي يريد التعاطف يتسول المشاعر من الآخرين، والمانح له يشجعه على هذا، ولعل هذا الحكم ينطبق على فئة من الناس، هؤلاء الذين يحاولون أن يثيروا عاطفة الآخرين، دون أدنى أساس، لكي يستدروا تعاطفهم بشكل زائف، ونجدهم يفرحون بمن يقدم لهم التعاطف الزائف كذلك، فتكون النتيجة استنزاف في المشاعر والوقت، إضافة إلى إضاعة الفرصة على المشاعر الصادقة والأحاسيس الحقيقية.
أما ما يفيد حياتنا الاجتماعية فهو التعاطف الذي نؤسسه بناء على مراعاتنا لتاريخ الشخص الذي نتعامل معه، فعندما يقع في خطأ ما لا نمارس التشفي فيه، بل نتأكد مما حدث، ونحاول أن نتغاضى عن خطئه وسط كثير مما فعله من أشياء نعتقد أنها صحيحة، فكلنا بشر وجميعنا معرضون للخطأ، ومن تتعاطف معه اليوم تُزيد احتمال تعاطفه معك غداً.
عيني عليك باردة مقالات في غاية الروعة والجمال
ردحذف