محمد إسماعيل اللباني
القناع تقنية مسرحية استُخدمت في فترات تاريخية مختلفة، وكان القناع الذي يرتديه الممثل هو المعبر عن دوره في المسرحية، ولكن الحياة الاجتماعية قد تفرض على الإنسان أقنعة تتجاوز أقنعة المسرح وتتفوق عليها كماً وكيفاً، فلا أحد يعيش في مجتمع من المجتمعات دون عدد من الأقنعة التي يحاول من خلالها أن يواجه مواقف الحياة المختلفة، سواء أكانت هذه الأقنعة ظاهرة أو متخفية، وسواء أكانت عن يقين أو تصنع، فمواضعات الحياة الاجتماعية تفرض على الإنسان طغيانها الذي يمنعه من الكشف عن مكنونات نفسه بسهولة. ولا ترتبط "لعبة الأقنعة" بمجتمع دون آخر، بل إن نسبتها تتفاوت في المساحة الزمنية للاستخدام، فكلما كان المجتمع على درجة من التقدم الحضاري وجدنا أن المدة الزمنية للاحتياج للتقنع أمام الآخرين تقل، بينما تزداد مع تراجع مجتمعه في سلم الحضارة، وما أقصده بالتحضر أو التراجع الحضاري ليس الوصف المرتبط بالقدح أو المدح، بل إن المقصود المحدد هنا أن يكون المجتمع منتمياً لحياة المدينة والمدنية الحديثة، بما فيها من احترام للخصوصية الفردية وللرأي الآخر ولمساحة الاختلاف بين الأفراد.
أما المجتمعات التي تتراجع فيها نسبة التحضر فهي المجتمعات ذات البنية التقليدية التي تفرض على أفرادها "روح الجماعة" في كل ما يفعلون، وفي كل ما يأتون به من تصرفات، وتحاسبهم على أقل هفوة يقعون فيها؛ ومن هنا يتولد الصراع بين ما يتمنى المرء أن يعبر عنه من آراء وما يريد أن يأتيه من أفعال فيحتاج إلى مداورة هذا ومجاراة ذاك، وتتفاوت درجات التعبير عن ذاته لديه؛ حتى يصل إلى درجة معقولة من الأمان الاجتماعي الذي يقيه التعرض للاتهامات أو التشنيعات، فالانتماء إلى الجماعة ونيل رضاها فطرة إنسانية يسعى الإنسان في كل المجتمعات لإشباعها وتحقيقها.
ونجد الكاتب المسرحي سعد الله ونوس قد جمع بين النص المسرحي والأقنعة الاجتماعية ببراعة واضحة، فيتحول المسرح من مكان لارتداء الأقنعة التي يتطلبها الدور، كما كان يحدث قديماً، إلى ساحة لكشف الأقنعة والمصارحة عن دواخل النفوس وعُقد النفس، حيث يعري الكاتب تلك الانتكاسات النفسية والاجتماعية في صورة حالات إنسانية قلقة، حالات معذبة في موقفها من الحياة، واختياراتها تجاه مواقفها، وهي ذاتها الحالات الإنسانية التي نراها حولنا، والتي نكون جزءاً منها، ولكن فعاليات الحياة اليومية تخفي عنا بؤرة التركيز التي يحققها النص المسرحي، كما تخفي عنا هذه الحالة، عندما تختلج الصراعات في أنفسنا، فننشغل بتلك الفعاليات اليومية دون أن نحسم أمورنا.
فأتى النص المسرحي "طقوس الإشارات والتحولات" لسعد الله ونوس ليكشف لنا، في بؤرة الأحداث، ما ننشغل عنه من صراع داخلي في نفوسنا، وما يصطرع في نفوس الآخرين دون أن يفصحوا لنا عنه، مرتكزاً على التاريخ في زوايا أحداثه المخفية وغير المؤثرة، لكن الكاتب يعيد إحياء الحدث البسيط ليجعل منه متناً تاريخياً جلياً، بعد أن كان هامشاً بسيطاً مهملاً وغير مؤثر، فيعمد إلى حدث تاريخي عابر، لم يكن مؤثراً أو مهماً في مجرى أحداث زمنه، بل كان حدثاً يومياً عادياً، وهو إلقاء القبض على كبير الأشراف في دمشق منتصف القرن التاسع عشر، ليتخذ الكاتب من هذا الحدث مرتكزاً للغوص في حالتنا الإنسانية الراهنة.
فـ "وردة" التي تعمل في مجال استمالة الرجال، وتعقد لهم ليالي الطرب والسهر والأنس يُقبض عليها مع نقيب الأشراف، برغبة من قائد الدرك في تقوية شوكته، وفرض هيبته وسطوته على الجميع، فيدخل على نقيب الأشراف، أثناء سهرته مع "وردة"، ليلقي القبض عليهما بتهمة "التهتك والرذيلة"، وهنا تظهر حفيظة طبقة "الأشراف" في رفض هذا التصرف الذي يقلل من هيبتهم أمام العامة، وخاصة أن قائد الدرك قام بالتشنيع على نقيب الأشراف أثناء إلقاء القبض عليه، أما المفارقة فقد اتضحت في "المفتي" الذي وجد في ذلك إذلالاً للطبقة التي ينتمي إليها مع نقيب الأشراف، فعندما يأتيه الخبر يستنكر ما حدث، على الرغم من كراهيته لنقيب الأشراف وخلافة الدائم معه، حيث يرى فيما حدث فرصة للعامة كي يتدخلوا في حياة طبقته التي يجب أن تتكافل فيما بينها لموجهة طبقة العامة والبسطاء، وألا يُعطوا الفرصة للتدخل في مجريات أمور طبقتهم التي تتفوق على عامة الناس.
هذا الحدث التاريخي البسيط استطاع سعد الله ونوس أن يفجر من خلاله عدداً من الإشكالات النفسية التي تعتمل في دخيلة الإنسان دون أن يدرك أبعادها واشتباكاتها مع الوضع الاجتماعي، ودون أن يمتلك القدرة على مصارحة الآخرين بها، بل يخشى أن يصارح بها نفسه، فما يبدو أنه محافظة على "حالة الطبقة" من الناحية الاجتماعية يحمل تحته الكثير من الأهداف الذاتية والرغبات الفردية التي يحاول كل فرد من أفراد المجتمع أن يمررها لمصلحته الخاصة، فيمتلك القدرة على السيطرة واستغلال الآخرين، بما يمتلك من سُلطة. والسلطة إحدى أهم القضايا التي يناقشها النص المسرحي لسعد الله ونوس، حيث يستعرض أشكالاً مختلفة من احتمالاتها، فنجد السلطة الثقافية المتمثلة في المفتي الذي يحاول بشتى الطرق الممكنة السيطرة على العامة، من خلال ما يمتلك من "ميراث رمزي" ينال من خلاله احترام الناس وتقديسهم لشخصيته، بناء على احترام وتقديس الجانب الديني الذي يتقن عرضه واستخدامه مع الناس وقت الحاجة والضرورة، والسلطة السياسية التي يمثلها نقيب الأشراف نفسه عندما لا يدرك "قواعد اللعبة" بشكلها الخفي ومؤامراتها الدنيئة فيقع ضحية سذاجته، وسلطة الشهوة التي تحاول من خلالها "ألماسة" أن تضع الجميع أمام أنفسهم من خلالها، عندما يتكشف لنا كيف يلهث الجميع وراءها في الخفاء، بما فيهم المفتي نفسه، ويلعنونها في الجهر والعلن.
فالمفتي يعترف لها ويعبر عن ملاحقتها له في الفكر والتمني قائلاً: "لا أدري إن كان وسواساً، أو حمقاً، أو جنوناً. منذ التقيتك وصورتك تلاحقني. إنك قلق في الفؤاد، واضطراب في الروح. لا أدري ماذا أقول.. ولكن أرجو أن تعقلي، وأن تقبلي عرضي".(1) وكان عرضه هو الزواج بها، على الرغم من لعنته الدائمة لها أمام الآخرين!
ولكن ذلك لا يؤجل رغبة "وردة" في تحدي كل تلك السُّلطات المحيطة بها من كل اتجاه، فتسير في طريق "الرذيلة"، بالمفهوم الاجتماعي، وهي في الحقيقة تسير في طريق الصدق، بمفهومها الخاص، أو بمفهوم الكاتب الذي اتخذ من "وردة" وسيلة لكشف الأقنعة التي يتقنع بها الجميع، وكانت هي الخيط الذي يشد الشخصيات المختلفة لدائرة الكشف والمصارحة، فوردة لم تخدم نفسها كشخصية في الواقع الاجتماعي، حيث أصابتها اللعنة من المجتمع، بل خدمت الكاتب المسرحي باعتبارها الشخصية المسرحية التي كانت عِماد العمل المسرحي في طرح الفكرة التي أرادها الكاتب متفجرة بطاقة هائلة من المصارحة بعد كثير من الكبت والمعاناة.
وتأتي جُمل سعد الله ونوس المسرحية كالطلقة التي تخرج من مكمنها متجهة صوب الهدف المقصود فتصل له دون خطأ أو انحراف عن تأدية هدفها، وتتراوح بين الإيجاز والإطالة، وتأتي الإطالة في مواضع تكون مطلوبة فيها تماماً لتحقيق الجانب الفكري والشعوري للشخصية، ومن ذلك قول ألماسة: "أول المقامات في رحلتي هو أن أرمي وراء ظهري معاييركم. ينبغي أن أتحلل من أحكامكم، ونعوتكم، ووصاياكم كي أصل إلى نفسي. ينبغي أن أتجاوز خطر الانتهاك كي ألتقي جسدي، وأتعرف عليه. صنعتم مني عورة هشة يمكن أن تنتهكها الكلمة والنظرة واللفتة. وجعلتم دأبكم انتهاك هذه العورة، فصرنا جميعاً زواحف تتناهش في مستنقع من الأكاذيب والمظاهر والقيود. وأنا شيخ قاسم قررت أن أخرج من المستنقع النتن، وأصير بحراً لا ينتن". (2)
أما الفكرة فإنها تأتي لدى ونّوس في الأولوية، وخاصة في المسرحية موضوع التناول، لكنها (الفكرة) لا تجعل الكاتب يفقد اهتمامه بالجملة المسرحية المصاغة بإتقان يجعلها ثوباً ملائماً لفكرة قوية تتناسب معها، إضافة إلى البنية المسرحية المعتمدة على الحدث التاريخي مع الانطلاق إلى الهم الاجتماعي المعاصر، بل إلى الشأن الإنساني العام، كل ذلك في إطار بناء مسرحي متماسك يسيطر الكاتب على مفاصله ومنعطفاته، مشكلاً لوحة مسرحية مكتملة الأبعاد والخطوط والأجزاء، مع الميل إلى النمط المسرحي الكلاسيكي المناسب للموضوع، دون كسر الحائط الرابع (كما فعل ونوس نفسه في مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" مثلاً).
وفي المحصلة النهائية نجد المسرحية في الغالب تنقل "طقوسها" للمتلقي الذي لا يمكن أن يتجاهل كثيراً من إشارات وتحولات النفس البشرية، حيث لا يمكن للقارئ، بعد قراءة النص المسرحي أو الانتهاء من مشاهدة العرض المسرحي "طقوس الإشارات والتحولات"، أن ينسى العبارات المسرحية المعبرة عن حالة القلق الأنطولوجي (الوجودي) للشخصيات، وخاصة وردة التي تجردت من اسمها القديم، رمزاً للتخلص من كل قيود الماضي، وأسمت نفسها "ألماسة"، ويأتي الرمز المسرحي عند ونوس ليكون مشتبكاً مع دراما المشهد المسرحي، فتُقتل ألماسة عندما يجمع كلُّ الناس في المجتمع أنها تهدد وجودهم وسلامهم الاجتماعي المخادع، عندما رأوا أنهم إذا تركوها فإنهم يحتاجون لنوع آخر من الحياة القائمة على الصراحة والصدق، وهي نوعية من الحياة لم يتعودوا عليها، وهي حياة، كذلك، تهدد الكثير من المصالح والارتباطات التي تأسست على حياة الكذب والرياء والخداع، وعند ذلك يسجل الكاتب كلمته على لسان ألماسة عند قتلها، ولا يجعل تضحيتها بحياتها تذهب هدراً فتقول لقاتلها: "أنا يا صفوان حكاية، والحكاية لا تُقتل. أنا وسواس وشوق وغواية، والخناجر لا تستطيع أن تقتل الوسواس والشوق والغواية"(3).
*سعد الله ونوس ـ طقوس الإشارات والتحولات ـ دار الآداب ـ بيروت ـ 1998.
(1) طقوس الإشارات والتحولات صـ 102.
(2) نفسه صـ 101.
(3) نفسه صـ 150.
يمكن تحميل نص المسرحية من الوصلة التالية:
مسرحية تحمل معاني عميقة ، تظهر ازدواج المجتمعات ، وتسقط عنها الأقنعه ،،،
ردحذفاشكرك لتسليط الضوء على هذا العمل الرائع جداً ..