الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

شرفة ليلى مراد وبودلير.. حديث في قراءة النص وتأويله


محمد إسماعيل اللباني
لا زال التعامل مع الأدب بمقاييس غير أدبية هو الأسلوب الأمثل في مجتمعاتنا، وهو الطريق الأسهل لدى شريحة كبيرة من أفراد مجتمعاتنا، فما إن ينشر شاعر قصيدة، أو يكتب قصصي قصة أو رواية إلا ونجد في مجتمعاتنا مَن يحاكمه على ما ورد فيها من ألفاظ وعبارات باعتبار أن الكاتب هو القائل، وتتم محاكمته على أساس الصواب والخطأ (وتتعدد أوجه الصواب والخطأ من منطلق ديني أو فكري أو اجتماعي) ويتكرر ذلك مهما كان واضحاً أن الكلام موضوع الاختلاف يأتي في القصيدة على صورة تصويرية تخييلية، لا علاقة لها بالقناعة الفكرية للكاتب إلا على المستوى الجمالي الفني، أو تأتي العبارات على لسان شخصية من شخصيات قصة أو رواية فتكون معبرة بالضرورة عن المكونات الفنية للشخصية القصصية، وليست بالضرورة معبرة عن قناعات الكاتب أو أفكاره.
أما الجانب الهزلي في القضية فهو أن القراءة غير الأدبية للأعمال الأدبية لا تأتي نتيجة طبيعية لسوء الفهم أثناء القراءة، أو تأتي ناتجاً من نواتج القراءة الفعلية في المجتمع؛ فكلنا يعرف مدى ضعف هذا الجانب في مجتمعاتنا، فلو أتى الاختلاف بناء على ذلك لاستطعنا أن نرى الجانب الإيجابي في الأمر، وهو أن ذلك يولد أملاً في مجيء وقت تتحسن فيه الرؤية وتصبح أكثر نضجاً في النظر إلى العمل الأدبي، أما أصل الحكاية دائماً، أو في الغالب الأعم، فهو ما يحدث من المثقفين أنفسهم، أو بمعنى أوضح ما يحدث من مدّعي الثقافة، أو من أطراف ترغب في تصفية حساباتها مع أطراف أخرى، وقد تكون الحسابات سياسية أو فكرية أو غير ذلك من حسابات تخرج عن الأدب ومكوناته، فنجد أن أحداً ممن يريدون تصفية حسابات فردية ضيقة يعملون على إيغار الصدور ضد كاتب ما، فيقرأ أحدهم قصيدة أو رواية ويأخذ عبارة من هنا وجملة من هناك؛ ليسعى بين الناس مشنعاً بها على الكاتب، وليستدعي من خلالها مخزون عدم المعرفة بآليات الكتابة الأدبية، وهو مخزون متوافر لدى عامة الناس في مجتمعاتنا، فيتلاعب به وقت الحاجة، ومن الأسف أن يحدث ذلك من المثقفين أو من مدّعي الثقافة الذين لا يرون في الثقافة التزاماً بقضايا المجتمع، أو سعياً لترقية جانب من جوانب الوعي البشري، بل يرون في العمل الثقافي سعياً إلى شهرة زائفة أو إلى مكاسب مادية تافهة، فيقفون موقف من يدير معركة بجانب الجهل عن سبق إصرار وترصد، ويجيش من أجل معركته مَن يتورطون معه دون تبصر أو معرفة، بل يقفون بجانبه من خلال رغبتهم، التي تكون صادقة في أغلب الأحيان، للحفاظ على الدين أو الحفاظ على العادات والتقاليد.
فالقاعدة العريضة من الناس الذين لا يقرؤون ولا يستطيعون التعامل من النص الأدبي عندما يقرؤون يجدون أنفسهم في معركة أبعد ما تكون عن القراءة أو الأدب، إنها معركة المكانة الزائفة والسعي للشهرة التي يبحث عنها مُشعل الحريق ومفتعل المشكلة، ومعركة المدافعين عن الدين والأخلاق والعادات والتقاليد في جانب آخر، وهذا الموقف يثير الكثير من اللغط والالتباس، وأخطاء الحكم على الأفكار والتجربة الشعرية، بوجه خاص، كما يؤدي هذا النمط من التعامل بتداخل أنساق الوعي البشري في الرصد والتحليل.
وقد كانت الطريقة التي تم بها التعامل مع قصيدة حلمي سالم "شرفة ليلى مراد" في مجلة إبداع القاهرية هي ذاتها الطريقة التي تسببت في كثير من المصادرات للإبداع الإنساني، وحجرت على رؤى وأفكار، مع العلم أن الأفكار والمشاعر التي عبر عنها الشعر انطلقت والإبداعات عبرت عن ذاتها، مع مرور الوقت، وقد امتلأ التاريخ الأدبي والفكري لمختلف الشعوب بحالات تتشابه كثيراً مع حالتنا الراهنة، ومرت تلك الفترات مخلفة وراءها الكثير من التجارب التي استفاد المجتمع منها، وأصبحت حرية التعبير من المقررات الأساسية في ثقافات الشعوب المعاصرة، وخاصة ما يتصل بحرية الإبداع، ولكن من المؤسف أن مجتمعاتنا العربية ظلت تمر بهذه التجارب، حيث تثور ضجة نحو عملي أدبي وفي كل تهدأ العاصفة كما بدأت في المرة التي تسبقها، دون أن تخلف ترقية في الوعي الأدبي أو الوعي الفكري الذي نتطلع إليه في مجتمعاتنا.
فالشاعر الفرنسي بودلير ـ مثلاً ـ الذي قدم تجربة إنسانية فريدة للوجود البشري في شعره، حوكم في القرن التاسع عشر، ولاقى الاستنكار والتضييق على حياته، أما ديوانه "أزهار الشر" فقد لقي، بعد ذلك، من الحفاوة في التلقي والدرس والقراءة ما لم يتوافر لغيره من الدواوين الشعرية التي تركها أصحابها دون أن تخلف أثراً يُذكر، وقد مرت التجارب المختلفة لأعمال هوجمت، في وقتها، لأسباب غير أدبية، وعاد لها اعتبارها عند النظر إليها في إطارها الفني الخالص، مع دمجها في التجربة الإنسانية بشكل إجمالي، وعند خفوت موجة "التحريض" التي أثارت حولها العواصف.
والمقاييس غير الأدبية في التعامل مع النص الأدبي تنسف "حجر الزاوية" الذي يقوم عليه النص وهو "المجاز"، ففي ثقافتنا العربية، التفت القدماء لدور المجاز والتخييل في صنع النص الأدبي وارتكازه عليه، وعدّوه المقياس "الأدبي" الذي يعامل به الشعر، فقالوا: "أعذب الشعر أكذبه" وهذا دليل على النظر إلى العنصر الأساسي المكون للشعر، وهو "التخييل" فلا يقصد بالكذب هنا الحكم الأخلاقي، بل يقصد به القيمة الجمالية التي يتم بموجبها التعامل مع الشعر، وكلما أوغل الأديب في كذبه (أي في صنعته التخييلية) استطاع أن يقدم عذب الشعر بقيمته الفنية والأدبية.
أما ما نعايشه، الآن، من ضيق فكري، وتزمت ديني غير مبرر في نصوص الدين ذاته، ولم يكن موجوداً في التجربة الحضارية الإسلامية وقت ازدهارها، فيؤدي إلى انتزاع كلمة أو عبارة أو فقرة من قصيدة، ومحاكمة القصيدة بناء عليها دون النظر إلى سياقها أولاً، ومحاكمتها بناء على أسس غير فنية أو أدبية أو نقدية ثانياً، فنحن أمام حالة من التربص والتقصي لأدق خصوصيات الإنسان، وأكثرها حميمية إلى قلبه ومشاعره، وهي التجربة الشعورية التي تنتج القصيدة وتنقل، من خلالها، التجربة الشعورية إلى متلقٍ هو، في الأساس، على مستوى التلقي.
فلا أعتقد أن أحداً من الذين شاركوا في اتهام ومحاكمة القصيدة أو في الحكم عليها لهم علاقة، في الأصل، بالشعر أو بالنص الأدبي، بمعنى أن من كانت علاقته لأول مرة بمجلة "إبداع" التي نشرت القصيدة هو أن يتحرى مكامن ما قيل إنه خروج عن مقتضيات ظاهر الإيمان القويم فلابد أنه سيجد ما يريد، فهو يتعامل مع مجلة إبداعية أدبية تَعامُل "محاكم التفتيش" التي تبحث في الضمائر، وعما كان يقصده من قال كذا أو كذا، وبالطبع يكون ذلك بناء على رؤيته الذاتية الضيقة والمحدودة بحدود المنطوق الظاهري الشكلي لفهم الدين، ولفهم الأدب.
فالتشابه واضح بين وضعنا الحالي، من حيث النظر للإبداع، ووضع أوروبا في العصور الوسطى، كما أن التشابه واضح، كذلك، بين وضع المبدعين الأوربيين حالياً، من حيث تحقق حريتهم، ووضع المبدعين المسلمين في ظل الدولة العباسية، فهل نحن نتقدم إلى الأمام أم نتراجع إلى الوراء؟!
وحتى لا نترك الأمر دون تقديم رؤية علاجية من نوع ما، فإنني أقترح أن تُضمن المناهج الدراسية في جميع المستويات الدراسية وفي جميع التخصصات كتاباً صغيراً بسيط المحتوى والفهم، يتناول طرق وإمكانات القراءة المتعددة للنص عموماً وللنص الأدبي خصوصاً، وأن تتخلص مناهجنا الدراسية من الأحكام المطلقة في أمور تتعدد فيها جوانب الرؤية، وتختلف فيها زوايا النظر، بل إن تعدد الرؤية للعمل الأدبي واختلاف زوايا النظر من موجبات التعامل مع النص الأدبي، وليست فقط من محبذات هذا التعامل.
نحتاج إلى التخلص من القراءة المغلقة للنص الأدبي، فكلما انغلقت نظرتنا وتحددت رؤيتنا ضاقت بنا الحياة، وقلت رؤية التعدد والتنوع الذي يملأ الكون حولنا، فالرؤية الأحادية التي ترى في نفسها الصحة وفيما عداها الخطأ المبين هي نظرة ولدت الكثير من الحروب والمعارك، التي بدأت فكرية وانتهت إلى جسدية، نحتاج إلى نشر وعي التسامح الذي يرى في الاختلاف والتعدد نعمة وليس نقمة، فلولا التعدد لتوقف الحياة عن تفاعلاتها الإيجابية في الإنتاج والتقدم والارتقاء، ولولا اختلاف وجهات النظر لتحولت حياتنا إلى جحيم لا يطاق.
فلننظر في النص الأدبي وكيف تعددت النظرة إليه لدى القدماء، وكانوا أكثر وعياً وفهماً ومقدرة منا، وهنا لا أصدر حكم قيمة مطلق، بل إنني أتحدث عن فترات ازدهار حضاري أنتجت حالة من الرقي الثقافي المتناسب معها عند توافر الأسباب الموضوعية لذلك، بل إن التعدد في القراءة النصية وصل إلى نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فوجدنا تفسيرات متعددة للقرآن الكريم تند عن الحصر، ووجدنا كتباً كثيرة في شروحات الأحاديث، وغيرها الكثير في المذاهب الفقهية المتعددة، كل هذا التعدد هو الذي صنع الحضارة الإسلامية التي نفخر بها الآن في أوج ازدهارها في العصر العباسي، لقد قاد المسلمون العالم القديم بفضيلة التسامح، واستمروا في التعايش مع كل العناصر من خلال ترك التعدد والتنوع في كل مجال على حاله، واحترام مختلف الأديان والاتجاهات، ولننظر إلى الأندلس وكيف وصلها المسلمون، لقد كان فضيلة التعدد هي التي أوصلتهم، وسمة التسامح هي التي وطدت أركان دولتهم، ولكن عندما تعصبت كل مجموعة إلى ذاتها، وتكونت طوائف ومجموعات، وجاء عصر ما سُمي بملوك الطوائف بدأ الانهيار، وعلى الجانب الآخر كان التعصب المسيحي يقيم "محاكم التفتيش التي أراقت الدماء وأوغلت في القتل والذبح والتدمير لكل إنسان يخرج عن المقررات الأحادية الفردية، والتفسيرات الظاهرية الشكلية التي يعتقد أصحابها أنهم على صواب وأن غيرهم على خطأ.
قد يرى البعض أنه من المبالغة أن أصل بقضية تتصل بقصيدة وضجة إعلامية أثارتها إلى الحضارة والتاريخ وأتحدث عن عوامل القيام وأسباب الانهيار! ولكني لا أرى في ذلك أية مبالغة من أي نوع، فالقاعدة العريضة من الناس التي تفهم النص الأدبي، وتنظر بتسامح إلى مختلف الآراء هي ذاتها القاعدة التي تسهم في صنع الحضارة وتعمل على ترقيتها، وعندما ينتشر التعصب، وتسود النظرة الأحادية، فإن الخسارة ستمتد من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي، ومن الجانب التربوي إلى الجانب العلمي، ومن الجانب التفسيري إلى الجانب العقدي، وعند هذه النقطة يبدأ حديث السلاح وتبدأ لغة التدمير قبل لغة الحوار، فعندما ننظر إلى الاختلاف في أمر من الأمور على أنه مهدد لعقيدتنا أو لإيماننا فإن في ذلك تدمير لكل أساسات المجتمع التي يجب أن تقوم على التعدد والتنوع، وما لا ينظر إليه أصحاب هذا الاتجاه المتعصب أنه إذا كانت عقيدة الإنسان قوية متماسكة فإن قصيدة لن تفسدها، بحسب منطقه، ورواية لن تدمرها، بحسب رؤيته!!
نص القصيدة

” شرفة ليلى مراد ” الرب ليس شرطيا


حلمي سالم -
أسمهانhelmysalem1.jpg
صادفوها
وهى تحمى بأسودها
أبيضها
الذى يجر عليها قذى الشوارع
مأزقها:
أن الانطباعات الأولي
تدوم
كيف إذن ستغني
أسقيه بيدى قهوة؟
نظرية
البكارة
ملك الأبكار
وحدهم
حتى لو كرهوا
نظرية التملك
رومانسية
نقاوم الشجن بعصر ما بعد الصناعة
لكن مشهد عبد الحليم وأخيه
فى حكاية حب،
ينتقم للقتلي
البلياتشو
تعبنا من توالى الامتحانات،
فلماذا لا يصدق الناسُ
أن الأرض واسعة؟
لنعط أنفسنا للمفاجأة،
راضين
مرضيين
البلياتشو جاهز للوظيفة،
حتى لو شك الجميعُ
فى إجادته العمل
الأزبكية
يقسو على نفسه موبخاً: يالطخ، الجميلات لا يصح أن يصعدن السلالم وهن معلقات على ذكرى الأب الذى يظهر خفيفا فى القصص.
ظلت دعوة الشاى مؤجلة حتى ماتت التى فى مقام الأم أثناء حمى الطوائف. وقبل موتها بربع قرن اعتزلت ذمية تياترو الأزبكية ليصير لديها وقت لتناول الينسون كطيف من زمان السلطنة.
لعلنى أنا الذى فى الحديقة، أمزج الشحاذة بالغرام، مصطنعا الاعرجاج فى ساقى، والعكاز تحت الإبط، فهل أنت الواقفة فى شرفة ليلى مراد؟
طائرات
البيوت تأكلها الرطوبة،
لذلك يطلقون الطائرات الورقية
على السطوح،
ليثبَّتوا بها المنازل على الأرض
حراسة
ليس من حل أمامي
سوى أن استدعى اللهَ والأنبياءَ
ليشاركونى فى حراسة الجثة
فقد تخوننى شهوتي
أو يخذلنى النقص
طاغور
تنام متخففة من شدادة الصدر،
وعندما تصحو فى مواجهة السقف،
تلوذ بغوايش طاغور
فرقة الإنشاد،
تشنجات حلقة الذكر
تقبيل يد القطب،
هذا هو تأصيل الرغبة
تهكم الجراحون على أهل العواطف،
وعيناك ترفضان النصيحة
بسبب المنام رأتا فيه
البلطة تتدلى مكان الفلورسنت
الأندلس
أنت خائفة،
وعماد أبو صالح خائف،
والطفلة التى اتخذها النذل
ذريعة للنجاج
خائفة
يارب أعطهم الأمان
لم يتحدث أحد عن الأندلس
كل ما جري
أنك نظرتِ فى المرآة
فوق:
رمزية الترمس،
وسماء تحتَكُّ برهة بنهدين،
ثم تلتف حول نفسها مسطولة
فوق:
ونحن معلقان فى الفراغ
كان لابد أن تقال كلمة مشبوهة
قبل أن تضمحل الدول
الأحرار
الرب ليس شرطيا
حتى يمسك الجناة من قفاهم،
إنما هو قروى يزغط البط،
ويجس ضرع البقرة بأصابعه صائحا:
وافر هذا اللبن
الجناة أحرار لأنهم امتحاننا
الذى يضعه الرب آخر كلّ فصلٍ
قبل أن يؤلف سورة البقرة
الطائر
الرب ليس عسكرى مرور
ان هو إلا طائر،
وعلى كل واحد منا تجهيز العنق
لماذا تعتبين عليه رفرفته فوق الرءوس؟
هل تريدين منه
أن يمشى بعصاه
فى شارع زكريا أحمد
ينظم السير
ويعذب المرسيدس؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق