الثلاثاء، 16 أغسطس 2011

محمد أركون.. فيلسوف إسلامي يجذر فكر "الأنسنة"

محمد إسماعيل اللباني
قدم محمد أركون، على مدار مسيرته الفكرية الحافلة، "تاريخاً" طويلاً من القراءة الفكرية النقدية للتراث الفكري العربي، مبتدئاً تاريخه بتلك القراءة الناضجة "نزعة الأنسنة في الفكر العربي" التي قدم من خلالها رؤيته لجيل مسكويه والتوحيدي، متسائلاً عن تلك النزعة الإنسانية التي بزغت فترة زمنية محددة هي فترة الفكر الكلاسيكي العربي في عصور ازدهاره، ثم اختفت مخلفة وراءها ما اتُفق على تسميته بعصور التراجع أو الانحطاط في الثقافة العربية. يقرأ أركون تلك النزعة الإنسانية وعينه على الواقع التاريخي القائم في العالم الإسلامي والعالم العربي، أما ذهنه وعقله فهو مشغول بتتابعات وتراكمات الفتوح المعرفية في ضوء المنهجيات الأبستمولوجية واللسانية والدراسات التاريخية في الغرب.. فعين ترى واقع أمته بما فيه من إخفاقات أو تراجعات، وعقل يحلل بناء على رؤية نقدية مستمدة من أحدث ما وصلت له المعارف الغربية في مجال الدراسات الإنسانية.
وقد تحرك محمد أركون، عبر تلك المسيرة الفكرية على جبهات مختلفة، باعتبار أنه مفكر ينتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية، ويقيم في الغرب ويغترف من ثقافته ويعرف أبعاد حضارته وتطوراته، على عدة جبهات يحاول من خلالها أن يقدم إسهاماته الفكرية والفلسفية التي منحته تلك المكانة في الفكر الإسلامي المعاصر، والسؤال الذي يمكن لنا أن نتخذه محوراً للنظر في التجربة الفكرية لمحمد أركون هو: ما الجبهات التي توجه محمد أركون إليها بالقراءة والنظر والرؤية النقدية وبالمواجهة أحياناً؟
1 ـ جبهة الاستشراق:
رأى محمد أركون أن العلماء الغربيين الذين درسوا التراث الإسلامي قدموا دراسات "فيلولولوجية" وتحقيقات لغوية للتراث الإسلامي تستحق التقدير والاحترام على جهدهم المبذول، لكنه رأى على الجانب الآخر أنهم توقفوا عند هذه المرحلة "التحقيقية" لكتب التراث الإسلامي، وعندما تناولوا موضوعاً من موضوعاته الفكرية فإنهم لم يتجاوزوا النظرة المدرسية التعليمية التي يبحثون من خلالها عن حياة الفكرة وأوجه الشبه بينها وبين فكرة أخرى، واشتراك أحد من العلماء أو الأدباء مع غيره في تلك الفكرة التراثية، دون أن يقيموا نسقاً أبستمولوجياً يستطيع القارئ من خلاله أن يرى مسارات الفكر الإسلامي في عموميته وشموليته. ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء المستشرقين، بحسب رؤية محمد أركون، لم يقوموا بموضعة المسار الفكري الإسلامي في بيئته التاريخية، ولم يتناولوا الأبعاد البيئية، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، المؤثرة في الفكر الإسلامي، ولم يدرسوا تلك الجوانب المؤثرة والمنتجة للأطر الفكرية التي يتناولونها في دراساتهم، فأتت دراساتهم الفكرية للتراث الإسلامي منتزعة من بيئتها الفعلية ومحلقة في مجالات هي أبعد ما تكون عنه، إنها مجالات "الفكر الخالص" الذي يُسمى "الفكر الإسلامي"، وهي التسمية التي يكرر محمد أركون رفضه لها في دراسات المستشرقين، فهي تعني، ضمن ما تعني، أنه طالما أن الإنسان يدين بالإسلام، أو أن المجتمع بشكل عام هو مجتمع إسلامي، فلابد أن تكون الحتمية الفكرية الناتجة عن ذلك هي مجموعة الأفكار التي يقدمها المستشرقون في دراساتهم، فهم يقدمونها بشكل كمي تراكمي بغض النظر عن السياق التاريخي الذي أنتجت فيه. ناقش محمد أركون تلك النقطة في العديد من كتاباته وناقشها مع العديد من المستشرقين في الدول الغربية، حيث كان يقيم. فكان الرد عليه، من قِبل المستشرقين، أننا ندرس الفكر الإسلامي ونقدمه كما هو، وعلى أصحاب الفكر أنفسهم أن يقوموا بدراسته تلك الدراسات النقدية التي تسمح لهم بالتطور نحو المنهجيات الحديثة في الدراسة والرؤية والنظر إلى تراثهم. بالطبع لم يقتنع محمد أركون بتلك الردود وحاول في كثير من كتاباته أن يرد على كثير منها من خلال اعتباره أن هذا الموقف ما هو إلا موقف "هروبي" من جانب المستشرقين الذين أسهموا بتأبيد حالة "الصنمية" التي ينظرون بها للفكر الإسلامي، والتي لا يختلفون فيها عن كثير من الأصوليين الإسلاميين الذين يتعاملون مع التراث باعتباره كتلة صماء لا تقبل المناقشة أو التفكيك أو الرؤية النقدية.
1 ـ جبهة التراث:
استطاع محمد أركون أن يقتحم التراث الفكري الإسلامي بمقدرة واضحة بعد أن امتلك آليات القراءة والرؤية النقدية التي استطاع بها أن يرصد مسارات التقدم والتراجع في الفكر الإسلامي، وقدم العديد من القراءات التي بدأت بكتابه "نزعة الأنسنة في الفكر العربي" الذي يبدأ بتقديمه في طبعته المترجمة للغة العربية متحدثاً عن تلك النزعة التبجيلية في النظر لكل ما هو تراثي وقد انتشرت في العالم الإسلامي بعد فترة الخمسينات من القرن العشرين والتي كان من المنتظر أن تكون فترة مراجعة فعلية ونقدية للتراث الإسلامي، بعد التخلص من الاحتلال الأجنبي، فإذا بها تكون فترة انتكاسة فكرية تتراجع فيها الرؤية النقدية ويغيب فيها العقل لصالح تجييش الجماهير بخطاب ديني يقوم على دغدغة العواطف واستلاب الذهن والشعور نحو الاستخدام السياسي للدين، فإذا بالاحتلال ينتقل من الآخر في صورة استعمار، إلى الذات في صورة التراث. ثم يتساءل عن غياب النزعة الإنسانية للفكر الإسلامي في عصرنا الحاضر قائلاً: "ما هو سبب ازدهار النزعة الإنسانية أثناء العصر الكلاسيكي، ثم انقراضها بعد ذلك من ساحة المجتمعات الإسلامية والعربية. ما هو هذا القدر التراجيدي الذي أصابها فجعلها تختفي وتموت؟ في الواقع أن البعد التراجيدي خاص بكل المجتمعات البشرية وليس فقط بالمجتمعات الإسلامية. فلا يخلو منه تاريخ أي مجتمع، ويكفي أن نقرأ التاريخ الكوني لكي نتأكد من ذلك. ولكن بعض المجتمعات تسيطر على العامل التراجيدي أو تحد منه أو تعوض عنه بشيء آخر (انظر حالة المجتمعات الأوروبية مثلاً. فقد عرفت الحروب والمآسي الضخمة في تاريخها القريب والبعيد. ولكنها استطاعت أن تتطور وتتجاوز ذلك). وليست هذه هي حالة المجتمعات الإسلامية المعاصرة. فالمأساة عامة تقريباً في تاريخها، وقد تكررت كثيراً منذ عدة قرون، ولم تعرف كيف تنهض أو تتجاوز قدرها التاريخي حتى الآن. بل ونكاد نشعر أحياناً بأن تاريخ المجتمعات العربية والإسلامية هو تاريخ معكوس: بمعنى أنه يمشي عكس التيار، أقصد عكس تيار الحضارة والرقي". (صــ11 نزعة الأنسنة)
أما في كتابة "الفكر العربي" فإن محمد أركون يطل إطلالة إجمالية على التراث الفكري العربي/ الإسلامي بشكل مكثف، فيأتي الكتاب في حجم صغير نسبياً بالنظر إلى كتبه الأخرى، لكنه يقوم برصد الكثر من مسارات هذا الفكر ويعرض من خلاله للمعضلة الأساسية وهي كيفية دراسة الفكر العربي في العصر الحاضر، ما هي المنهجية العلمية التي نستطيع بها في عصرنا أن نعاين الفكر الذي يتغلغل في نفوسنا دون أن ندرك أبعاد تأثيراته الفعلية فيقترح "حالة دراسة" للنظر في الفكر العربي/ الإسلامي من خلال الرؤية النقدية والتسلح بالعلوم الحداثية التي تسمح لنا بأن نكون على مسافة مناسبة من الرؤية والنظر والتعقل لنتمكن من رصد حالات التواصل والانقطاع وتبادل التأثير والتأثر بين مختلف جوانب هذا الفكر فيقدم أركون "رؤية بانورامية" شاملة دون أن يتوقف عند جزئيات هنا أو هناك. فكتاب "الفكر العربي" نستطيع أن نسميه "مخططاً بحثياً" أو "ورقة عمل" أو منهجية أبستمولوجية للرؤية والنظر في تراثنا الفكري، وهي رؤية كانت تستحق تقديم الكثير من الدراسات التي تقوم عليها أو تستهدي بما أضاءته من أنفاق تكاد تكون معتمة وتحتاج إلى المزيد من الإضاءة لرؤية الذات بطريقة عقلانية ناضجة.
3 ـ جبهة الأنسنة كمنطلق:
لو نظرنا إلى حركة الأنسنة (Humanism) في الفكر الأوربي والتي أنتجت وترافقت مع النهضة الأوربية ابتداء من القرن السادس عشر وتبلورت في القرن الثامن عشر، لوجدنا أنها منطلق محمد أركون في نظرته إلى الواقع المعاصر للمجتمعات الأوربية، والنظر إلى التراث الإسلامي وكذلك النظر للمجتمعات الأوربية في تاريخيتها الفكرية. فهذه الحركة التي تعني النظر للجانب الإنساني في الوجود البشري والتوجه إلى الإنسان كقيمة عليا، وأحياناً كقيمة مطلقة، مما يعني بلورة اتجاهات النظر الفكري بعيداً عن المطلق الديني في توجهات الحياة العملية والفعاليات العلمية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة، مع الحفاظ على الرؤية الدينية في إطلاقيتها ونظرتها المتعالية على الواقع كوجود ذاتي يستطيع من خلاله "المؤمن" أن يتوجه عن طريق تلك النظرة إلى حياته الدينية والتعبدية والأخلاقية، لكنه يكون مبتعداً عنها عندما يتوجه إلى رؤية الواقع بتبدلاته وتغيراته ولا يخلط بين النسبي (الواقع البشري) والمطلق (الرؤية الدينية) عند ممارسته لمناشط حياته المختلفة.
اتخذ أركون من "الأنسنة" رؤية أو نقطة انطلاق في تحقيق مشروعه الفكري، بحيث تصل إلى درجة "القيمة الأساسية"، ورأى أن الحضارة العربية الإسلامية استطاعت أن تقود الحضارة البشرية في الفترة التي نشطت فيها حالة الأنسنة تلك، ووجد من التراث الإسلامي ما يدعم نظرته في عدد من العلماء والأدباء الذين قدموا تلك الرؤية النسبية التي انطلقت عن طريق ابن رشد إلى أوربا فكانت لبنة أولى من لبنات النهضة الأوربية فيما بعد ذلك.
4 ـ نقد الفكر الغربي:
لم يتوقف محمد أركون، بمنهجيته النقدية، عند نقد التاريخ الفكري المؤدلج والأفكار المطلقة والمتعالية في الحضارة العربية والإسلامية، بل تجاوز ذلك إلى نقد الحضارة الغربية ذاتها، معتمداً على منهجية نقدية متأصلة في الفكر الأوروبي ذاته، لكنها متجاوزة لكثير من الأطروحات الغربية في رؤية الذات المتعالية على الواقع والتاريخ، فأطروحاته النقدية للفكر الأوروبي كانت نحو إرجاعه إلى حالته التاريخية وشده إلى أرض الواقع الفعلي الذي نشأ فيه، إضافة لفهم مخاتلات الواقع وتوظيفات السياسة للجوانب الفكرية، وبما ينتج عنها من استخدام واستغلال إعلامي لتكوين صورة الآخر (وهو هنا الآخر الإسلامي)، فهو مثلاً ينتقد ما أسماه "العلمانوية" الغربية، قاصداً وضعها على طرف نقيض نسبي مع "العلمانية"، فالأولى هي التي أزاحت الدين من الحياة ومن الدراسات المدرسية للطلاب بشكل تعسفي بحجة أن الدولة العلمانية لا يجب أن تدرس الدين في مدارسها، وهو بذلك يستشهد بالبلد التي يقيم فيها وهي فرنسا، ويرى أركون أن هذه "العلمانوية" المتكلفة قد أضرت بالفهم الحقيقي للدين، فقد كان من الأولى، في رأيه، أن يدرس الطالب التجربة الدينية البشرية، فهو لا يقصد أن يدرس الدين بطريقة "أرثوذكسية" جامدة بحسب النظر في اتجاه واحد، بل قصد دراسة مقارنة للتجربة الدينية التي يستطيع من خلالها الطالب أن يوسع من أفق رؤيته لتلك التجربة التي كانت وما زالت تمثل أهمية عظمى في الوجود البشري، ومن ناحية أخرى يستطيع الطالب في مراحل التعليم المختلفة أن يتفهم مدى قدرة الدين على أن يكون تجربة روحية وأخلاقية تمده بما يحتاج إليه من قدرة على مجابهة جفاف الحياة المادية التي تحيط به من كل جانب في حياته الغربية. أما التوجه "العلماني" العقلاني الذي كان يدعو إليه فهو دراسة الدين في جانبه العلمي ومطالعة تجربة الوجود البشري الحضاري عبر التاريخ من خلال الدين باعتباره أحد أهم محركات هذا التاريخ دون أن يكون هو الجانب الأوحد كما يعتقد البعض، إنها العلمانية المنفتحة على الآخر، العلمانية المتسامحة، التي تقبل المتدين وغير المتدين في إطار من قوانين الحقوق والواجبات التي تمتد لتغطي جميع مناشط الحياة دون تحيز أو محاباة. وقد كشفت تلك النظر التي تبناها محمد أركون منذ عدة عقود عن أهميتها أمام المد المواجه للتطرف الإسلامي في المجتمعات الغربية، وليس أدل على ذلك من تلك الحملات المسعورة التي تأتي ضد بناء المساجد وبناء المآذن وحملات حرق المصاحف وغيرها من الحملات التي لم يكن لها لتقوم لولا عملية الجهل المبرمج التي تقوم بها وسائل الإعلام الغربي ضد الدين الإسلامي وحياة المجتمعات الإسلامية. فلم يعد من الممكن، في ظل حالة التعبئة الإعلامية، أن يفرق المواطن الأوروبي العادي بين أفراد متطرفين يقومون بعمليات تدميرية لأهدافهم الخاصة وبين جموع المسلمين الذين يمارسون واجياتهم الدينية باعتدال ودون إثارة أية مشكلات مع الآخرين من أصحاب الديانات الأخرى. ولعل حالة التجهيل واستبعاد دراسة الدين، وخاصة مادة الأديان المقارنة، من المناهج الدراسية هي التي سمحت بتلك الحالة من الهياج غير المبرر على كل ما يمثل رمزاً من الرموز الإسلامية مهما كان نوعه، ولا نعلم إلى أي مدى ستصل في ظل حالة التغذية الإعلامية الدائمة للاستقطاب بين أطراف المجموعات الدينية في الدول الغربية.
من كتبه الأخيرة نجد كتاب "من منهاتن إلى بغداد.. ما وراء الخير والشر" يقوم محمد أركون بتجربة التواصل بدلاً من تلك التجربة الانقطاعية التي أحدثتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر بين الثقافتين الغربية والإسلامية وأججت حالة من الصراع والكراهية وتباعد وجهات النظر حول مختلف القضايا في موجبات الحياة للإنسان المعاصر وطرق تدبيرها وأسلوب تبادل العلاقة مع الآخر. يبدو التواصل من العنوان عندما يربط بين "منهاتن" مكان التفجيرات في نيويورك وبغداد مكان شن الحرب التي قامت بها الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش الابن، ثم التواصل من خلال شكل تأليف الكتاب، حيث قام محمد أركون بكتابته بناء على حوارات قامت مع "جوزيف مايلا" كممثل للجانب الغربي فكان مشاركاً له في تأليف الكتاب. إضافة إلى ذلك نجد العنوان الجانبي للكتاب "ما وراء الخير والشر" يلتقط ما ورد من تلاعبات سياسية للرئيس الأمريكي جورج بوش في تقسيم العالم إلى محورين، محور الخير ومحور الشر، فيأخذ محمد أركون تلك العبارة لتوجيهها وجهة فلسفية لتكون مطابقة لأحد عناوين كتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي ألف كتاباً بالعنوان ذاته "ما وراء الخير والشر". ثم يعمل أركون على تفكيك الخطاب السياسي الصراعي وكشف ما وراءه من قدرة على التعبئة وتوجيه الأذهان نحو سطحية التناول للشأن البشري، والتغطية على كثير من "الجرائم" التي ترتكب في ظل ذلك، ويعود هو وجوزيف مايلا إلى تحليل تراث "المعنى" لدى الجانبين، الإسلامي والغربي، الذي ولّد تلك الحالة من العنف والعنف المضاد، في إشارة إلى ما كان محمد أركون يحذر منه دائماً على مدار أربعين سنة من أن حالة الاستقطاب التي تعيشها المجتمعات المعاصرة نحو تكوين صورة ملائكية مضخمة عن الذات، وصورة شيطانية مهوَّلة عن الآخر هي التي تلعب بالمخيال الجمعي العام لمختلف الجماهير على الجانبين لتأتي لحظة الانفجار بما يضر بالطرفين، ولا يضر بطرف واحد على حساب الآخر، بل إن خسائر سوء الفهم والتفاهم تشمل بنتائجها جميع الدول والمجتمعات المعاصرة في عصر أصبحت فيه الكرة الأرضية قرية صغيرة تنطلق المتغيرات والأحداث المؤثرة على حياة البشر فيها من أقصاها إلى أقصاها في أيام معدودة، إن لم يكن في ساعات.  
إنتاج المعنى واستهلاكه
مثلت موضوعة "آليات إنتاج إنتاج المعنى واستهلاكه في المجتمعات المعاصرة"، سواء الإسلامية أو الغربية "تيمة" أساسية في فكر محمد أركون، ففي كتاب "الإسلام، الغرب، أوروبا.. رهانات المعنى وإرادات الهيمنة" يحلل تلك الحالة كظاهرة بشرية عرفتها كل المجتمعات على مدار تاريخها الإنساني، حيث يمر المعنى المنتج في ظل ظروف تاريخية معينة بظروف للإنتاج وتقلبات وتغيرات في إعادة الإنتاج والاستهلاك متشابهة تقريباً في المجتمعات الإنسانية، لكن الاختلاف الواقع بين مجتمعات الحداثة ومجتمعات ما قبل الحداثة هو الفارق في الوعي بتلك النشاطات وعدم الوعي بها، هو الفارق بين رؤية الذات من خلال المعنى المنتج بإرادة حرة واعية، والمعنى التاريخي المفروض من عصور أخرى، أو من مجتمعات مخالفة دون قدرة على تجذيره في بيئة مختلفة ومخالفة في الظروف والتوجهات. وقد اعتمد أركون في هذا التحليل على ما قدمه المفكر الفرنسي "بيير بورديو" من مفهوم حول "الرأسمال الرمزي" الذي لفت إلى كيفية تحول المعنى في المجتمع البشري إلى "كيان" قابل للتبادل والإنتاج والاستهلاك والتغير، كما يحدث للسلع المادية، ولكن الاختلافات تتسع في المعنى لتشمل تبدلات الإنتاج والرؤية بين جيل وآخر، وقدرة كل جيل على إعادة الرؤية وتلوين المعنى المنتج قديماً بواقع حياتهم المعاش. كما اعتمد أركون على ما قدمه ميشيل فوكو في آليات الخطاب المعرفي وتلويناته وتبدلاته في مختلف المجتمعات. إضافة إلى الاستفادة بما قام به المفكر كلود ليفي شتراوس في دراسة المجتمعات البشرية في درجات مشاركتها الحضارية ومستويات هذه المشاركة، ودور "المعنى" في تغيير الحالة الحضارية أو دور المعنى المنتج في التشكل بالحالة الحضارية القائمة لأصحاب تلك المجتمعات.  
ثنائية التوجه
أدرك محمد أركون أبعاد الوضعية الصعبة التي يعاني منها المثقف الحر في المجتمعات النامية عموماً، وفي المجتمعات العربية خصوصاً، وتحدث عن هذه الوضعية في مؤلفاته. أما الجانب الآخر من تلك الوضعية فكان محمد أركون نفسه، فرغم أنه كان يعيش في دولة أوروبية (فرنسا) ويكتب بحرية، ويمارس عمله الأكاديمي كما يريد أن يقوم به، إلا أنه كان عربي الأصل (من الجزائر) ولم يرد بالطبع أن يتنكر لأصوله، بل قام بكل مجهوده الفكري بناء على هذا الانتماء للثقافة العربية الإسلامية. لكن هذه الوضعية جعلت من خطابه الفكري خطاباً ذا جانبين. الجانب الأول الذي يتوجه له بخطابه هو الجانب الأوربي، وهو الجانب الذي يحاول من خلاله أن يمنع تراكمات سوء الفهم للإسلام والحضارة الإسلامية التي نتجت عن الكتابات الصحفية المتسرعة، أو عن الكتابات الاستشراقية ذات الطابع المدرسي غير النقدي، وهذا ما تسبب في اتهامه بـ "الأصولية" أو الانتماء إلى الجانب المحافظ في الفكر الإسلامي في كثير من المواقف، أو على أفضل الأحوال كان يرى علامات التعجب ممن يستمعون إليه وينظرون إلى اسمه متعجبين من أن يأتي الفكر النقدي ممن ينتمي إلى "الإسلام". أما على الجانب الآخر فكان خطابه المتوجه إلى العالم الإسلامي يشتمل على تلك الحاسة النقدية التي من خلالها يحاول أن يرصد تجليات الخروج من التاريخ التي يعاني من العالم الإسلامي والعربي، ويحاول أن يضع يده على الجرح الثقافي والفكري مشخصاً ومعللاً الداء ومشيراً إلى الدواء، وهذا ما تسبب في اتهامه بالخروج عن دائرة الفكر الإسلامي والارتماء في أحضان الغرب والنهل من الدراسات الاستشراقية المعادية للإسلام والمسلمين. كان قدر محمد أركون أن يعيش في تلك الحالة من التنازع التي شخص بها حالة الثقافة الإسلامية فإذا به يعاني منها على المستوى الشخصي، فلا هو مقبول في الغرب لانتمائه الإسلامي، ولا هو مقبول عند المسلمين لإقامته في الغرب وتطبيقه للمنهجيات الغربية في دراسة الإسلام أو الثقافة العربية.
طبيعة العمل الفكري
المطلع على مؤلفات محمد أركون يلحظ "التيمة" التكرارية التي تغطي أغلب مؤلفاته، ولكن التكرار لا يأتي لديه بمعناه المعتاد، بل إنه يمحص الفكرة عند تكرارها بشكل يجعلها وكأنها تعرض للمرة الأولى. وفي كل مرة يقدم زاوية للنظر أكثر اتساعاً، أو جانباً من التحليل يختلف عن الجانب السابق ولا يخالفه، أو يعيد طرح الفكرة في ضوء تطور في الدراسات التطبيقية لقراءة التراث الثقافي. في كتابه "قضايا في نقد العقل الديني" يبدأ تقديم الكتاب بمقولة للمفكر الفرنسي بيير بورديو لتبرير هذه النقطة في منهجية عمله الفكري، حيث يقول: "وإذا ما حصل أن ركّزت على الموضوعات ذاتها وعدت إليها مراراً وتكراراً، وإذا ما حصل لي أكثر من مرة أن درست المسائل نفسها وأشبعتها تمحيصاً وتحليلاً، فإن ذلك عائد ليس إلى رغبة في الاجترار المجاني أو الهوس المرضي. وإنما أريد عن طريق هذه الحركة اللولبية أو الحلزونية في الدراسة (أو الالتفاف على الموضوعات) أن أصل في كل مرة إلى درجة أعلى وأدق من الفهم للمسائل المطروحة. كما أن ذلك يتيح لي في كل مرة أن أكتشف علاقات خفية أو علاقات جديدة لم ألمحها سابقاً. وبالتالي فإني لا أفعل ذلك من أجل التكرار أو الاجترار، وإنما من أجل شيء آخر". (صــ 17)
إن نظرة على موضوعات كتب محمد أركون من خلال محاور اهتماماته التي تتجلى في عناوين تلك الكتب تكشف لنا عن محاور اهتمام في غاية التركيز والمحورية فيما يتصل بالفكر الإسلامي، فنجد العناوين التالية لبعض كتبه، مثل:
ـ الفكر الإسلامي.. قراءة علمية.
ـ تاريخية الفكر الإسلامي.. نقد واجتهاد.
ـ نافذة على الإسلام.
ـ أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟
ـ العلمنة والدين.. الإسلام، المسيحية، الغرب؟
ـ قضايا في نقد العقل الديني.. كيف نفهم الإسلام اليوم؟
ـ نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي.
ويرحل عنا محمد أركون مخلفاً العديد من المشاريع الفكرية التي تُعد "مخططات" لمشروعات بحثية تحتاج إلى تضافر جهود مؤسسات بحثية للقيام بها، وتمثل منطلقاً مهماً لمن يريد أن يعمل عليها من المفكرين والباحثين، فقد قدم الكثير من الأعمال التي لم يرد أن يقول فيها كلمة أخيرة، فقد رأي أن الكلمة الأخيرة غير ممكنة في المجال الفكري من ناحية، كما رأى أن القيام بالتصورات الواسعة للأطر الأبستمولوجية في الفكر العربي والإسلامي وتحديد تلك الأطر من خلال "الإشارة" إليها هي ما تحتاج إليه ثقافتنا من ناحية أخرى؛ للخروج من حالة الدراسة التجزيئية إلى حالة الرؤية التجميعية، للانتقال من دراسة الأجزء إلى الانخراط في الرؤى والأنساق، بحثاً عن حالة من الوعي الذي نستطيع من خلاله أن نعاين عصراً نتمنى أن يكون أفضل مما نعيش فيه ولا نستطيع تغييره، وخاصة عندما نلجأ إلى حلول "ترقيعية" و"تلفيقية" لواقعنا، ولا نبحث جذور مشكلاتنا في تأصيلاتها الأولية. يرحل محمد أركون مخلفاً لنا موقفاً صعباً لمواجهة قدرنا التاريخي الذي حاول كثيراً أن يسهم في تغييره من خلال تنبيهنا إلى ضرورة تغيير الشرط التاريخي المنتج لتلك الوضعية، وبدون تغيير هذا الشرط التاريخي لا يمكن لنا أن نصل إلى ما دعا إليه في مؤلفاته وما قدمه من تحليلات تكشف عن عمق في الرؤية وقدرة على التشخيص، وهي القدرة التي تحتاج إلى متابعة مسيرتها والسعي نحو تقصي جوانب القوة فيها لجعلها منهجيات عمل نحو تحقيق ما ننادي به من تغيير في أحوالنا، لكننا كثيراً ما نرفض طريق العلاج الصعب الذي يقدمه محمد أركون دون إيهام أو خداع.  
ellebany@hotmail.com
 يمكن تحميل بعض كتب محمد أركون من الروابط التالية:
         

شرفة ليلى مراد وبودلير.. حديث في قراءة النص وتأويله


محمد إسماعيل اللباني
لا زال التعامل مع الأدب بمقاييس غير أدبية هو الأسلوب الأمثل في مجتمعاتنا، وهو الطريق الأسهل لدى شريحة كبيرة من أفراد مجتمعاتنا، فما إن ينشر شاعر قصيدة، أو يكتب قصصي قصة أو رواية إلا ونجد في مجتمعاتنا مَن يحاكمه على ما ورد فيها من ألفاظ وعبارات باعتبار أن الكاتب هو القائل، وتتم محاكمته على أساس الصواب والخطأ (وتتعدد أوجه الصواب والخطأ من منطلق ديني أو فكري أو اجتماعي) ويتكرر ذلك مهما كان واضحاً أن الكلام موضوع الاختلاف يأتي في القصيدة على صورة تصويرية تخييلية، لا علاقة لها بالقناعة الفكرية للكاتب إلا على المستوى الجمالي الفني، أو تأتي العبارات على لسان شخصية من شخصيات قصة أو رواية فتكون معبرة بالضرورة عن المكونات الفنية للشخصية القصصية، وليست بالضرورة معبرة عن قناعات الكاتب أو أفكاره.
أما الجانب الهزلي في القضية فهو أن القراءة غير الأدبية للأعمال الأدبية لا تأتي نتيجة طبيعية لسوء الفهم أثناء القراءة، أو تأتي ناتجاً من نواتج القراءة الفعلية في المجتمع؛ فكلنا يعرف مدى ضعف هذا الجانب في مجتمعاتنا، فلو أتى الاختلاف بناء على ذلك لاستطعنا أن نرى الجانب الإيجابي في الأمر، وهو أن ذلك يولد أملاً في مجيء وقت تتحسن فيه الرؤية وتصبح أكثر نضجاً في النظر إلى العمل الأدبي، أما أصل الحكاية دائماً، أو في الغالب الأعم، فهو ما يحدث من المثقفين أنفسهم، أو بمعنى أوضح ما يحدث من مدّعي الثقافة، أو من أطراف ترغب في تصفية حساباتها مع أطراف أخرى، وقد تكون الحسابات سياسية أو فكرية أو غير ذلك من حسابات تخرج عن الأدب ومكوناته، فنجد أن أحداً ممن يريدون تصفية حسابات فردية ضيقة يعملون على إيغار الصدور ضد كاتب ما، فيقرأ أحدهم قصيدة أو رواية ويأخذ عبارة من هنا وجملة من هناك؛ ليسعى بين الناس مشنعاً بها على الكاتب، وليستدعي من خلالها مخزون عدم المعرفة بآليات الكتابة الأدبية، وهو مخزون متوافر لدى عامة الناس في مجتمعاتنا، فيتلاعب به وقت الحاجة، ومن الأسف أن يحدث ذلك من المثقفين أو من مدّعي الثقافة الذين لا يرون في الثقافة التزاماً بقضايا المجتمع، أو سعياً لترقية جانب من جوانب الوعي البشري، بل يرون في العمل الثقافي سعياً إلى شهرة زائفة أو إلى مكاسب مادية تافهة، فيقفون موقف من يدير معركة بجانب الجهل عن سبق إصرار وترصد، ويجيش من أجل معركته مَن يتورطون معه دون تبصر أو معرفة، بل يقفون بجانبه من خلال رغبتهم، التي تكون صادقة في أغلب الأحيان، للحفاظ على الدين أو الحفاظ على العادات والتقاليد.
فالقاعدة العريضة من الناس الذين لا يقرؤون ولا يستطيعون التعامل من النص الأدبي عندما يقرؤون يجدون أنفسهم في معركة أبعد ما تكون عن القراءة أو الأدب، إنها معركة المكانة الزائفة والسعي للشهرة التي يبحث عنها مُشعل الحريق ومفتعل المشكلة، ومعركة المدافعين عن الدين والأخلاق والعادات والتقاليد في جانب آخر، وهذا الموقف يثير الكثير من اللغط والالتباس، وأخطاء الحكم على الأفكار والتجربة الشعرية، بوجه خاص، كما يؤدي هذا النمط من التعامل بتداخل أنساق الوعي البشري في الرصد والتحليل.
وقد كانت الطريقة التي تم بها التعامل مع قصيدة حلمي سالم "شرفة ليلى مراد" في مجلة إبداع القاهرية هي ذاتها الطريقة التي تسببت في كثير من المصادرات للإبداع الإنساني، وحجرت على رؤى وأفكار، مع العلم أن الأفكار والمشاعر التي عبر عنها الشعر انطلقت والإبداعات عبرت عن ذاتها، مع مرور الوقت، وقد امتلأ التاريخ الأدبي والفكري لمختلف الشعوب بحالات تتشابه كثيراً مع حالتنا الراهنة، ومرت تلك الفترات مخلفة وراءها الكثير من التجارب التي استفاد المجتمع منها، وأصبحت حرية التعبير من المقررات الأساسية في ثقافات الشعوب المعاصرة، وخاصة ما يتصل بحرية الإبداع، ولكن من المؤسف أن مجتمعاتنا العربية ظلت تمر بهذه التجارب، حيث تثور ضجة نحو عملي أدبي وفي كل تهدأ العاصفة كما بدأت في المرة التي تسبقها، دون أن تخلف ترقية في الوعي الأدبي أو الوعي الفكري الذي نتطلع إليه في مجتمعاتنا.
فالشاعر الفرنسي بودلير ـ مثلاً ـ الذي قدم تجربة إنسانية فريدة للوجود البشري في شعره، حوكم في القرن التاسع عشر، ولاقى الاستنكار والتضييق على حياته، أما ديوانه "أزهار الشر" فقد لقي، بعد ذلك، من الحفاوة في التلقي والدرس والقراءة ما لم يتوافر لغيره من الدواوين الشعرية التي تركها أصحابها دون أن تخلف أثراً يُذكر، وقد مرت التجارب المختلفة لأعمال هوجمت، في وقتها، لأسباب غير أدبية، وعاد لها اعتبارها عند النظر إليها في إطارها الفني الخالص، مع دمجها في التجربة الإنسانية بشكل إجمالي، وعند خفوت موجة "التحريض" التي أثارت حولها العواصف.
والمقاييس غير الأدبية في التعامل مع النص الأدبي تنسف "حجر الزاوية" الذي يقوم عليه النص وهو "المجاز"، ففي ثقافتنا العربية، التفت القدماء لدور المجاز والتخييل في صنع النص الأدبي وارتكازه عليه، وعدّوه المقياس "الأدبي" الذي يعامل به الشعر، فقالوا: "أعذب الشعر أكذبه" وهذا دليل على النظر إلى العنصر الأساسي المكون للشعر، وهو "التخييل" فلا يقصد بالكذب هنا الحكم الأخلاقي، بل يقصد به القيمة الجمالية التي يتم بموجبها التعامل مع الشعر، وكلما أوغل الأديب في كذبه (أي في صنعته التخييلية) استطاع أن يقدم عذب الشعر بقيمته الفنية والأدبية.
أما ما نعايشه، الآن، من ضيق فكري، وتزمت ديني غير مبرر في نصوص الدين ذاته، ولم يكن موجوداً في التجربة الحضارية الإسلامية وقت ازدهارها، فيؤدي إلى انتزاع كلمة أو عبارة أو فقرة من قصيدة، ومحاكمة القصيدة بناء عليها دون النظر إلى سياقها أولاً، ومحاكمتها بناء على أسس غير فنية أو أدبية أو نقدية ثانياً، فنحن أمام حالة من التربص والتقصي لأدق خصوصيات الإنسان، وأكثرها حميمية إلى قلبه ومشاعره، وهي التجربة الشعورية التي تنتج القصيدة وتنقل، من خلالها، التجربة الشعورية إلى متلقٍ هو، في الأساس، على مستوى التلقي.
فلا أعتقد أن أحداً من الذين شاركوا في اتهام ومحاكمة القصيدة أو في الحكم عليها لهم علاقة، في الأصل، بالشعر أو بالنص الأدبي، بمعنى أن من كانت علاقته لأول مرة بمجلة "إبداع" التي نشرت القصيدة هو أن يتحرى مكامن ما قيل إنه خروج عن مقتضيات ظاهر الإيمان القويم فلابد أنه سيجد ما يريد، فهو يتعامل مع مجلة إبداعية أدبية تَعامُل "محاكم التفتيش" التي تبحث في الضمائر، وعما كان يقصده من قال كذا أو كذا، وبالطبع يكون ذلك بناء على رؤيته الذاتية الضيقة والمحدودة بحدود المنطوق الظاهري الشكلي لفهم الدين، ولفهم الأدب.
فالتشابه واضح بين وضعنا الحالي، من حيث النظر للإبداع، ووضع أوروبا في العصور الوسطى، كما أن التشابه واضح، كذلك، بين وضع المبدعين الأوربيين حالياً، من حيث تحقق حريتهم، ووضع المبدعين المسلمين في ظل الدولة العباسية، فهل نحن نتقدم إلى الأمام أم نتراجع إلى الوراء؟!
وحتى لا نترك الأمر دون تقديم رؤية علاجية من نوع ما، فإنني أقترح أن تُضمن المناهج الدراسية في جميع المستويات الدراسية وفي جميع التخصصات كتاباً صغيراً بسيط المحتوى والفهم، يتناول طرق وإمكانات القراءة المتعددة للنص عموماً وللنص الأدبي خصوصاً، وأن تتخلص مناهجنا الدراسية من الأحكام المطلقة في أمور تتعدد فيها جوانب الرؤية، وتختلف فيها زوايا النظر، بل إن تعدد الرؤية للعمل الأدبي واختلاف زوايا النظر من موجبات التعامل مع النص الأدبي، وليست فقط من محبذات هذا التعامل.
نحتاج إلى التخلص من القراءة المغلقة للنص الأدبي، فكلما انغلقت نظرتنا وتحددت رؤيتنا ضاقت بنا الحياة، وقلت رؤية التعدد والتنوع الذي يملأ الكون حولنا، فالرؤية الأحادية التي ترى في نفسها الصحة وفيما عداها الخطأ المبين هي نظرة ولدت الكثير من الحروب والمعارك، التي بدأت فكرية وانتهت إلى جسدية، نحتاج إلى نشر وعي التسامح الذي يرى في الاختلاف والتعدد نعمة وليس نقمة، فلولا التعدد لتوقف الحياة عن تفاعلاتها الإيجابية في الإنتاج والتقدم والارتقاء، ولولا اختلاف وجهات النظر لتحولت حياتنا إلى جحيم لا يطاق.
فلننظر في النص الأدبي وكيف تعددت النظرة إليه لدى القدماء، وكانوا أكثر وعياً وفهماً ومقدرة منا، وهنا لا أصدر حكم قيمة مطلق، بل إنني أتحدث عن فترات ازدهار حضاري أنتجت حالة من الرقي الثقافي المتناسب معها عند توافر الأسباب الموضوعية لذلك، بل إن التعدد في القراءة النصية وصل إلى نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فوجدنا تفسيرات متعددة للقرآن الكريم تند عن الحصر، ووجدنا كتباً كثيرة في شروحات الأحاديث، وغيرها الكثير في المذاهب الفقهية المتعددة، كل هذا التعدد هو الذي صنع الحضارة الإسلامية التي نفخر بها الآن في أوج ازدهارها في العصر العباسي، لقد قاد المسلمون العالم القديم بفضيلة التسامح، واستمروا في التعايش مع كل العناصر من خلال ترك التعدد والتنوع في كل مجال على حاله، واحترام مختلف الأديان والاتجاهات، ولننظر إلى الأندلس وكيف وصلها المسلمون، لقد كان فضيلة التعدد هي التي أوصلتهم، وسمة التسامح هي التي وطدت أركان دولتهم، ولكن عندما تعصبت كل مجموعة إلى ذاتها، وتكونت طوائف ومجموعات، وجاء عصر ما سُمي بملوك الطوائف بدأ الانهيار، وعلى الجانب الآخر كان التعصب المسيحي يقيم "محاكم التفتيش التي أراقت الدماء وأوغلت في القتل والذبح والتدمير لكل إنسان يخرج عن المقررات الأحادية الفردية، والتفسيرات الظاهرية الشكلية التي يعتقد أصحابها أنهم على صواب وأن غيرهم على خطأ.
قد يرى البعض أنه من المبالغة أن أصل بقضية تتصل بقصيدة وضجة إعلامية أثارتها إلى الحضارة والتاريخ وأتحدث عن عوامل القيام وأسباب الانهيار! ولكني لا أرى في ذلك أية مبالغة من أي نوع، فالقاعدة العريضة من الناس التي تفهم النص الأدبي، وتنظر بتسامح إلى مختلف الآراء هي ذاتها القاعدة التي تسهم في صنع الحضارة وتعمل على ترقيتها، وعندما ينتشر التعصب، وتسود النظرة الأحادية، فإن الخسارة ستمتد من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي، ومن الجانب التربوي إلى الجانب العلمي، ومن الجانب التفسيري إلى الجانب العقدي، وعند هذه النقطة يبدأ حديث السلاح وتبدأ لغة التدمير قبل لغة الحوار، فعندما ننظر إلى الاختلاف في أمر من الأمور على أنه مهدد لعقيدتنا أو لإيماننا فإن في ذلك تدمير لكل أساسات المجتمع التي يجب أن تقوم على التعدد والتنوع، وما لا ينظر إليه أصحاب هذا الاتجاه المتعصب أنه إذا كانت عقيدة الإنسان قوية متماسكة فإن قصيدة لن تفسدها، بحسب منطقه، ورواية لن تدمرها، بحسب رؤيته!!
نص القصيدة

” شرفة ليلى مراد ” الرب ليس شرطيا


حلمي سالم -
أسمهانhelmysalem1.jpg
صادفوها
وهى تحمى بأسودها
أبيضها
الذى يجر عليها قذى الشوارع
مأزقها:
أن الانطباعات الأولي
تدوم
كيف إذن ستغني
أسقيه بيدى قهوة؟
نظرية
البكارة
ملك الأبكار
وحدهم
حتى لو كرهوا
نظرية التملك
رومانسية
نقاوم الشجن بعصر ما بعد الصناعة
لكن مشهد عبد الحليم وأخيه
فى حكاية حب،
ينتقم للقتلي
البلياتشو
تعبنا من توالى الامتحانات،
فلماذا لا يصدق الناسُ
أن الأرض واسعة؟
لنعط أنفسنا للمفاجأة،
راضين
مرضيين
البلياتشو جاهز للوظيفة،
حتى لو شك الجميعُ
فى إجادته العمل
الأزبكية
يقسو على نفسه موبخاً: يالطخ، الجميلات لا يصح أن يصعدن السلالم وهن معلقات على ذكرى الأب الذى يظهر خفيفا فى القصص.
ظلت دعوة الشاى مؤجلة حتى ماتت التى فى مقام الأم أثناء حمى الطوائف. وقبل موتها بربع قرن اعتزلت ذمية تياترو الأزبكية ليصير لديها وقت لتناول الينسون كطيف من زمان السلطنة.
لعلنى أنا الذى فى الحديقة، أمزج الشحاذة بالغرام، مصطنعا الاعرجاج فى ساقى، والعكاز تحت الإبط، فهل أنت الواقفة فى شرفة ليلى مراد؟
طائرات
البيوت تأكلها الرطوبة،
لذلك يطلقون الطائرات الورقية
على السطوح،
ليثبَّتوا بها المنازل على الأرض
حراسة
ليس من حل أمامي
سوى أن استدعى اللهَ والأنبياءَ
ليشاركونى فى حراسة الجثة
فقد تخوننى شهوتي
أو يخذلنى النقص
طاغور
تنام متخففة من شدادة الصدر،
وعندما تصحو فى مواجهة السقف،
تلوذ بغوايش طاغور
فرقة الإنشاد،
تشنجات حلقة الذكر
تقبيل يد القطب،
هذا هو تأصيل الرغبة
تهكم الجراحون على أهل العواطف،
وعيناك ترفضان النصيحة
بسبب المنام رأتا فيه
البلطة تتدلى مكان الفلورسنت
الأندلس
أنت خائفة،
وعماد أبو صالح خائف،
والطفلة التى اتخذها النذل
ذريعة للنجاج
خائفة
يارب أعطهم الأمان
لم يتحدث أحد عن الأندلس
كل ما جري
أنك نظرتِ فى المرآة
فوق:
رمزية الترمس،
وسماء تحتَكُّ برهة بنهدين،
ثم تلتف حول نفسها مسطولة
فوق:
ونحن معلقان فى الفراغ
كان لابد أن تقال كلمة مشبوهة
قبل أن تضمحل الدول
الأحرار
الرب ليس شرطيا
حتى يمسك الجناة من قفاهم،
إنما هو قروى يزغط البط،
ويجس ضرع البقرة بأصابعه صائحا:
وافر هذا اللبن
الجناة أحرار لأنهم امتحاننا
الذى يضعه الرب آخر كلّ فصلٍ
قبل أن يؤلف سورة البقرة
الطائر
الرب ليس عسكرى مرور
ان هو إلا طائر،
وعلى كل واحد منا تجهيز العنق
لماذا تعتبين عليه رفرفته فوق الرءوس؟
هل تريدين منه
أن يمشى بعصاه
فى شارع زكريا أحمد
ينظم السير
ويعذب المرسيدس؟

الاثنين، 8 أغسطس 2011

أركيولوجيا المعنى.. لمحة تأسيسية


محمد إسماعيل اللباني
  يتحدث محمد أركون عن مصطلح "أركيولوجيا المعنى" في كتابه الإسلام والعلمنة، ومستوى الوضوح الدلالي للمصطلح يتضح من التركيب الواضح في إضافة كلمة المعنى إلى كلمة "أركيولوجيا" والتي تعني الحفر التراثي، بل والأثري الذي يؤدي إلى اكتشاف دلالات الحفريات المختلفة والآثار الباقية لحيوات زالت عنا واختفت، وبقي علينا أن نعرفها من خلال تلك الآثار القليلة التي وصلتنا عنهم. هذا من ناحية الوضوح الدلالي، أما الصعوبة فهي تبدأ من هنا.
  وعند "هنا" المقصودة نتوقف لنستوضح مدى الصعوبات التي تواجه الباحث في تاريخية المعنى، أولاً، ثم الباحث في "أركيولوجيا المعنى" ثانياً. فنحن في ظل ثقافة لا نستطيع من خلالها أن نتحدث عن أية تاريخية من أي نوع، فما بالنا بـ "تاريخية" اللغة التي من المحتم أنها سوف تكشف عن كثير من الأقنعة الزائفة التي وضعناها على المعاني، أو التي وضعتها المعاني على حياتنا وعقولنا وأفهامنا. أما مرحلة البحث الأركيولوجي، وكما أفهمها، فهي أخطر من ذلك بمراحل، إنها تلك الدراسات التي تستطيع أن تبحث في بقايا المعاني التي تحملها الكلمات ولا تزال تحاول أن تواجه الموت، أي الكلمات، من خلال الحياة في أثواب مختلفة من الدلالات التي لم يكن القدماء يعرفون عنها شيئاً، هذه الدراسات التي نستطيع من خلالها أن نمشي مع الكلمات عبر مسار تاريخي تراجعي، من الحاضر إلى الخلف، هي التي من الممكن أن تقدم لنا مستوى مناسب من مستويات الفهم لطبيعة الدلالة اللغوية، وبالتالي فهم طبيعة تلاعبات المعنى التي تصنع الإنسان في مجتمعاتنا، وهل إنسان مجتمعنا إلا مجموعة من الدلالات التي تربى عليها في فهم العالم من حوله من خلال المعنى الذي حملته له الكلمات عبر وسائط التربية، التي نقلتها، بدورها، عن تاريخ طويل يمتد من الآباء إلى الأجداد إلى أجداد الأجداد.
  هذا المستوى من الفهم يفتح آفاق المعنى نحو مستوى مختلف تماماً في الفهم والقدرة عليه، وفي تصور العالم واستيعابه، وأهم من ذلك في فهم الدين وممارسته، ذلك لأن أكبر عنصر من العناصر التي يبدو فيها تلاعبات المعنى هي في الدين، بل والسياق الديني بشكل عام، وفي أي دين من الأديان، أقول أي دين؛ لأن المقصود بهذه التلاعبات هي فعلاً ما تنطبق على جميع الأديان وليس على دين محدد، من المهم هنا لفت الانتباه إلى أنني قلت أي دين ولم أقل أي خطاب لغوي، وعلى الرغم من أن العبارتين صحيحتان، كل منهما في سياقها، إلا أن المقصود في السياق الحالي أن نسمح بتمرير العبارة الأولى في سبيل التمويه والتغطية على العبارة الثانية، أي خطاب، فأي خطاب يحيلنا إلى مختلف الخطابات العلمية، بل والثقافية التي تؤثر فيها تاريخية المعنى ونهتم بالكشف عنها، بشكل أو بآخر، وهذا صحيح، أما عبارة أي دين فهي أكثر شمولية وليست أكثر تحديداً كما قد نتوهم، لماذا؟ لأنه بالنظر إلى طبيعة الخطاب الديني، نجد أنه مهيأ، تماماً وبحسب تكوينه الدوجماطيقي، للعبور والانتقال عبر الزمان والمكان ليصنع طريقته الخاصة. هذه الطريقة التي تتلخص في المطلق، وتحاول دائماً أن تدور حول التلاعبات لتهيء لنا أنها أتت بالمعنى خالصاً وصافياً دون شائبة، عبر الزمان والمكان، وما أبعد هذا "التوهم" عن الحقيقة! 

الجمعة، 5 أغسطس 2011

مستقبل الثورة الجينية وفلسفة العلوم


محمد إسماعيل اللباني
في كتابه "مستقبلنا بعد البشري" يرتكز فرانسيس فوكوياما، الذي اشتُهر بكتاب "نهاية التاريخ" على مدخل أولي لكتابه من خلال تحليل لروايتين تنتميان إلى الخيال العلمي أو للفكر التنبؤي في حينهما، الرواية الأولى هي رواية "1984" لجورج أورويل، والثانية رواية "عالم شجاع جديد" لألدوس هكسلي، ومطالعة تحليل فوكوياما لمدى نجاح الرواية الأولى في التنبؤ من عدمه تكشف لنا عن عقلية سلطوية واضحة، حيث يحلل الوقائع والأحداث باعتباره مستشاراً للإدارة الأمريكية السابقة، فينظر للأحداث من ارتفاع سلطوي يسمح بالرؤية الشمولية دون المرور بالإنسان وآماله وتطلعاته وآلامه، فهو لا يضع الإنسان العادي، الإنسان الموجود في كل زمان ومكان، في جدول اهتماماته الإنسانية، بل يتحدث عن الإنسان باعتباره كائناً سياسياً، لا يستطيع أن ينظر إليه إلا من خلال "السلطة" التي يحتمي الكاتب بها، ويعيش في كنفها، ويبدع منظومته الفكرية، وعينه لا تفارق التطلع الدائم إليها.
 فمن خلال رؤيته لرواية جورج أورويل يرى أن "الأخ الأكبر" في مدينة "أوشيانا" لم يتحقق في الواقع الفعلي من خلال الثورة المعلوماتية حيث يوجد مَن يراقب الناس، ويطلع على تفاصيل حياتهم، كما ورد في الرواية، بل إن الأفراد العاديين، في رأي فوكوياما، هم الذين أصبحوا يراقبون الحكومات، من خلال ما نشرته مختلف الحكومات في العالم من معلومات تتصل بأنشطتها وميزانياتها وخططها على شبكة الإنترنت فأصبح الناس هم المعادل الموضوعي للـ "الأخ الأكبر" في الرواية، حيث يستطيعون مطالعة أسرار الحكومات من خلال تسهيلات ثورة التكنولوجيا، وتوافر المعلومات على مستوى العالم، وكأن فرنسيس فوكوياما لا يرى ما كشفت عنه "ثورة المعلومات" من سيطرة الشركات العابرة للقارات على مجمل الإنتاج المعلوماتي لحياة الناس وأنشطتهم، ونفسياتهم، ومشكلاتهم؛ بهدف تقديم "الجرعة الاستهلاكية" التي تساعد على إلهاء هذا الكائن السياسي، الذي يتحدث عنه فوكوياما، وتحويله إلى "كائن استهلاكي".
لعل فوكوياما، بنظرته إلى جانب واحد من الحقيقة، ينظر إلى عدة أحداث استطاع فيها الأفراد، وخاصة المخربين، من اقتحام أنظمة المعلومات الحكومية والمؤسسية لكنه لم يرَ ما يحدث من سيطرة كونية لمؤسسات تسيير الشأن السياسي، وخاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر، من سيطرة على مجمل حركات الأفراد، وتنقلاتهم، وإمكانات رصد مطالعاتهم لمواقع إنترنت محددة، وتوجيه التهم من خلالها بممارسة أنشطة إرهابية، أو غير ذلك من الوصول إلى شخص يحمل هاتفاً نقالاً وتتبع تنقلاته في أي مكان في العالم.
فكتابة فوكوياما، بحكم عمله، توحي لمن يقرأها برجل السلطة الذي يعرض لجانب الضعف في موضوعات السيطرة المحكمة على الجماعات ويتماهى مع وجوده السلطوي في أمريكا باعتباره مستشاراً سلطوياً ينتمي لفئات تبحث عن إحكام السيطرة، فيختلط التقرير الحكومي بالكتابة الفلسفية التي تخرج لنا مزيجاً يوهم بعمق الأفكار. لكنه، في المحصلة النهائية، لا يتخلى عن موقع التماس مع السلطة ليترك سجيته الفلسفية أو الفكرية تتحرك، بل يأتي بمقولات هيجل ونيتشه ليزين به مقدمات المقالات، مع لَيْ عنق الحقائق عن سياقها ليستخدمها كما يريد، ولا أدل على ذلك من استغلال لمقولة هيجلية في التأسيس لفكرة نهاية التاريخ، مع بعد المسافتين: الفكرية والزمنية بينه وبين هيجل، لكن فوكوياما، في حقيقة الأمر، يمثل ظاهرة من نوع جديد هي ما يمكن أن نسميها مرحلة "فيلسوف السياسة" بما تمثله من سُلطة في عصر العولمة، فإذا كانت مقولاته التحليلية واستشاراته السياسية تؤخذ على محمل الفلسفة، فقد مثّل صورة جديدة تمثل جدية واضحة لكينونة فلسفية من نوع جديد.
فلم يعد الفيلسوف هو من يضع إطاراً وجودياً وأخلاقياً متكاملاً للإنسان (أرسطو وأفلاطون) أو يقدم قراءة نقدية للتاريخ البشري، مع استثمارها في وضع بنية فلسفية متماسكة (هيجل وماركس) أو يمسك بمعاول الهدم لجميع الأفكار البشرية التي يرى أنها بالية، وقد عفا عليها الزمن، ويبشر لمستوى مختلف للوجود الإنساني (نيتشه) أو يُقدم في المحافل والمنتديات مع أخذ الحذر منه على سبيل الاحتياط في كل ما يخص السياسة نظراً لاستقلاليته الفكرية غير المضمونة (سارتر وبرتراند راسل) فها هي المرحلة الجديدة التي أتانا بها "فوكوياما" ورديفه "صموئيل هنتنجتون" ليقدما صورة لعصر فلسفي جديد يمكن أن نسمي فلسفته "الفلسفة الإستراتيجية" أي التابعة للفكر التخطيطي السياسي، فمع انهيار منظومات الأيدلوجيا لم يعد في الإمكان أن يفرز الواقع الموضوعي فلاسفة بحجم هؤلاء أو باستقلالية أولئك، أما الغريب في الأمر أن فوكوياما كان سبباً في إعادة النظر في هيجل حتى إن دور النشر استفادت بما قدمه لها، ولكن بعد الفراغ من قراءة هيجل من استفاد منه؟ أعتقد أن كل من عاد لهيجل بعد مطالعة كتاب "نهاية التاريخ" اكتشف الخدعة "التسويقية" التي قام بها فوكوياما، فلم تكن عودته لهيجل إلا للارتكاز على مقولة مبتسرة لتسويق أفكاره وإضفاء العمق المتوهم عليها.
ولعل هذا لا يمنع من رؤية نقطة في غاية الأهمية وهي أن فوكوياما يعتمد في هذا الكتاب على تراث طويل من التواصل بين العلم والفلسفة، وما سمي في فترة من الفترات "فلسفة العلوم" أو هو ما حدث في مراحل بين شد وجذب للعلاقة بينهما، ابتداء من أرخميدس ووصولاً إلى إسحاق نيوتن وألبرت أينشتاين الذي أحدث طفرة واضحة في نظرة للإنسان للكون من حوله، إضافة إلى علماء الفضاء والثورة الحيوية في عصرنا الحاضر الذين يعيدون، بين آن وآخر، النظر في رؤية الإنسان إلى طبيعته البشرية، وخصائص الحياة وعلاقتها بالكون من حوله بناء على ما يتوصلون له من اكتشافات، وما يطورونه من اختراعات، إلا أن فوكوياما يبدأ موضوعاته السياسية الاقتصادية المختلطة باللمحات الاجتماعية بمداخل وتصديرات بمقولات لبعض الفلاسفة مثل هيجل ونيتشه محاولاً إيهام القارئ بمعالجاته الفلسفية التي تتضاءل كثيراً أمام الرؤية السياسية الاقتصادية، فهو أستاذ كرسي في الاقتصاد السياسي الدولي، ولا يستطيع أن يتخلص من طابعه التخصصي في نظرته المحددة.
وعودة إلى كتاب "مستقبلنا بعد البشري.. عواقب ثورة التقنية الحيوية" لنجد أنه يتكون من ثلاثة أجزاء: الأول بعنوان: السبل المؤدية إلى المستقبل. والثاني بعنوان: أن نكون بشراً. والثالث بعنوان ماذا نفعل؟ فنجد أنه بغض النظر عن تنظيراته الفلسفية التي كثيراً ما تختلط بالفكر السياسي فإن تحليلاته العلمية وارتباطها بالمعضلات الاجتماعية للإنسان على درجة عالية من التحليل النافذ الذي يرتكن على كم هائل من المعلومات العلمية المرتبطة بتطورات الهندسة الوراثية، والآراء التي يقدمها للآخرين من أصحاب الفلسفات المختلفة في النظر إلى الإنسان وطبيعة تكوينه، ومستويات حقوقه الإنسانية التي يحب أن يتمتع بها، وارتباط حقوق الإنسان ونوعيتها بالنظام السياسي القائم، وفي الفصل الخاص بـ"الكرامة الإنسانية" الذي يتضمنه الجزء الثاني نقرأ تحليلات مستفيضة عن واقع الكرامة الإنسانية واختلافات النظر إليها في مختلف المجتمعات وعلى مر العصور، لكن الكاتب ينتقل إلى "جوهر" الكرامة الإنسانية، كما اتفقت عليها مختلف المجتمعات البشرية ليؤسس عليها نظرته إلى ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الأخرى باعتباره كائناً أشد تميزاً وأكثر تعقيداً من أن ننظر إليه باعتباره محصلة مجموعة من الأجزاء المركبة بعضها مع بعض، وبناء على ذلك يرى أن التحفظ ضروري في الأبحاث المتصلة بالتطورات العلمية الحيوية المرتبطة بتعديلات للكائن البشري.
ثم يأتي إلى النقطة التي ينتظر القارئ رأيه فيها فإذا به يتوقف عن الرأي الصريح، بل يقدمه معتمداً على ما حدث في التاريخ! حيث يقول: "للوهلة الأولى، فإن مذهب الحقوق الطبيعية الذي يبني الكرامة الإنسانية على حقيقة أن النوع البشري يمتلك خصائص متفردة معينة سيبدو وكأنه يسمح بوجود تدرج في الحقوق يتوقف على درجة مشاركة العضو الفرد من هذا النوع في تلك الخصائص.
وعلى سبيل المثال، فالعجوز المصاب بمرض ألزهايمر قد فقد قدرة الشخص البالغ السوي على التفكير، ومن ثم فقد سُلب ذلك الجزء من كرامته الذي يتيح له المشاركة في السياسة بالتصويت أو الترشح للرئاسة. إن العقل، والخيار الأخلاقي، وامتلاك السلسلة الكاملة من العواطف الإنسانية على نحو نمطي هي أشياء مشتركة بين جميع البشر تقريباً. وبالتالي فهي تعمل كأساس للمساواة الشاملة. لكن الأفراد يمتلكون هذه الصفات بمقادير متفاوتة، فالبعض أحكم عقلاً، وأقوى ضميراً، أو لديه عواطف مرهفة أكثر من الآخرين. ومن ناحية، يمكن تحديد فروق دقيقة بين الأفراد بناء على درجة امتلاكهم لهذه الخصائص البشرية الأساسية، فيمنحون حقوقاً تتباين وفقاً لذلك. وقد حدث ذلك في التاريخ من قبل، وأطلق عليه اسم الارستقراطية الطبيعية. أما النظام الهرمي الذي تعنيه ضمناً، فهو أحد أسباب ارتياب الناس في مفهوم الحقوق الطبيعية"(1).
لا يخرج القارئ لكتاب مستقبلنا بعد البشري.. عواقب ثورة التقنية الحيوية لفرانسيس فوكوياما بآراء أو بنسق فلسفي متماسك، بل يستفيد من استعراضات تحليلية جيدة لعدد من القضايا المتصلة بالوجود البشري وعلاقته بالتطور العلمي، وخاصة في مجال ثورة التقنية الحيوية، أو ما يُعرف بـ الهندسة الوراثية" على الرغم من أن الأخيرة جزء من الثورة الحيوية التي تشتمل على كثير من الممارسات العلمية الواسعة، ولا غبار على كتاب تحليلي يسهم في إضاءة وعي القارئ بمشكلات في غاية الأهمية لعصرنا الحديث، لكن المشكلة تكمن في أن فوكوياما يريد أن يوهم القارئ بأنه فيلسوف يقدم منظومة فلسفية متماسكة، لكن القارئ يكتشف أنه لو توقف بتواضع عند مرحلة الوصف والتحليل لكان ذلك كافياً لجعل كتابه محملاً بقيمة علمية وفلسفية من نوع خاص، ولعل ذلك أفضل من التمسك بكرسي الفيلسوف في كتاباته، وهو يشغل كرسي الاقتصاد السياسي في كلية "بول نيتز" في الواقع الفعلي!!
ــــــــــــــــــ
*مستقبلنا بعد البشري.. عواقب ثورة التقنية الحيوية ـ فرانسيس فوكوياما ـ ت: إيهاب عبد الرحيم محمد ـ مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية ـ أبوظبي 2006.
(1) الكتاب صــ 217.           
 يمكن الحصول على نسخة الكتاب من خلال الوصلة التالية:

نيتشه.. فيلسوف ضد المطلق


محمد إسماعيل اللباني
  انتهت حياة نيتشه بمفتتح القرن العشرين، فكان خير معبر عن تلك الحالة التي تأسست معبدة الطريق لإنسان القرن، بكل ما يحمله من تساؤلات وشكوك وآلام، فظل القرن الماضي هو قرن الثورة الفكرية بامتياز، فرغم ما تأسس في القرون السابقة له من ثورات فكرية وفلسفية واجتماعية وسياسية، إلا أن القرن العشرين هو القرن الذي امتد فيه سهم الثورة الإنسانية إلى نهايته، فبدأ الإنسان يرى ذاته المفتتة بعد أن كان يراها متماسكة، بدأ بمراجعة العقلانية التي استمرت أكثر من قرنين ليجد نفسه في حالة من القلق والتوتر الذي تحتمه الحياة عليه، وتصنعه معضلات الوجود والحياة. فقد اخترع الآلات وطوع الطبيعة وسيطر على كثير من فعالياتها المختلفة، لكنه في المقابل ارتكب أعظم الحماقات في التاريخ، فصنع أعظم آلات التدمير بشاعة، بل واستخدمها في حروب عالمية أفنت ملايين البشر دون ذنب أو جريرة، استوعب العالم وضاق بالعالم من حوله، فهم الكون ومكونات الأرض واستثمر مواردها في حرب استهلاكية ضخمة. أتى نيتشه، قبل مفتتح القرن، ليكون أداة تعبيرية عن رقصة الموت التي يمارسها الإنسان ضد نفسه، وقد ازداد إيقاع الرقصة في سنوات القرن العشرين بما لم يخطر على بال نيتشه ذاته، رغم نظرته المتشائمة للإنسان ولوجوده العبثي.
  نظلم نيتشه وفلسفته إن اعتبرناها نظرية فلسفية متماسكة، لقد كان فيلسوفاً على سبيل "المزاح"، ولعل المزاح قد أخذ مكانة واضحة في لمحاته الفلسفية (قد تكون التسمية الأخيرة أفضل لفلسفته) فقد اعتبر أن الحياة لابد أن تؤخذ ببعض المزاح، ورأى أنه يجب أن نتخلص من تجهم التعاليم الدوجماطيقية/ المطلقة، وأن نتجاوز عن التعاليم الفلسفية المنضبطة؛ لنكون أكثر تحرراً في الاستماع إلى نبض الحياة في ذاتنا القلقة المعذبة، ورغم ذلك فقد أحيا "زرادشت" من موته ليقول على لسانه كلام نيتشه، فقد كان زرادشت هو نبي نيتشه الذي أراد أن يُنطقه بلسانه، وليسخر من خلاله بكل التعاليم المتعالية على الإنسان، وبكل القيم التي تكلست من كثرة الحديث عنها، لقد أعاد زرادشت ليكون ممثلاً لطاقة الحياة في حيويتها وتدفقها، وليكون أكثر انفتاحاً على الإنسان الجديد الذي يدعو إليه نيتشه، الإنسان الذي لا يخجل من رغباته وشهواته، الإنسان الذي يصدق مع ذاته ويتخلص من تبعات النفاق وأخلاق المؤسسات والعبيد. ولكن السؤال: هل واءم نيتشه بين نفثاته الفلسفية (وهي تسمية أخرى مقترحة) وبين نظرته للواقع؟ أم أنه وقع في النظرة المثالية التي وقع فيها غيره من الفلاسفة، عندما أخذتهم عظمة ذاتهم الفلسفية فأقاموا بنيانهم الفلسفي على أنقاض فلاسفة آخرين دون نظرة فاحصة للواقع؟      
  كان نيتشه يضع قواعد وأسساً لفلسفة النظريات السائدة، ولو نظر حوله لرأى ما يدعو إليه، كانت حرب "زرادشت" في كتابه الأشهر "هكذا تكلم زرادشت" على الكهنة والدعاة، لكنه لم ينظر إلا لتعاليمهم، وإن نظر إلى سلوكهم لوجدهم ضد كل ما يدعون إليه، إن الفضيلة على ألسنتهم والرذيلة في بقية أعضائهم، إنهم يدعون كأفضل ما يكون النبي، ويتصرفون كأبشع ما يفعل الشيطان، إن الله يسكن في ألسنتهم لكن الشيطان يقبع في أيديهم وقلوبهم وأرجلهم وجميع أعضائهم.
  بقي نيتشه محلقاً في فضاء الفلسفة، ينظر في الأعالي، بالطريقة نفسها التي عابها على أصحاب الفلسفات المثالية في عصره، وإن كان قد نظر حوله في واقع الحياة لوجد الجميع يمارسون غرائزهم ويتحدثون عن تقواهم، إن دعوته لوجود "الإنسان الأعلى" كانت في زمنه تسير على قدم وساق دون كلل أو ملل فهي مرحلة الاستعمار الكبرى التي استطاعت من خلالها الشعوب القوية فرض قوتها وسيطرتها على الشعوب الضعيفة، ولكن مشكلة نيتشه التي لم يشر إليها، والحقيقة التي كانت ماثلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أنه لا أحد كان يدعو إلى اتباع غريزته لتحقيق الإنسان القوي الكامل الذي يدعو إليه، لكن في الواقع الممارس، بالفعل لا بالقول، كان الجميع يسعى لتحقيق غريزته وشهوته ويدعو لعكس ما يمارس. والخطأ، أو فلنقل وهم الخديعة النيتشوية، أن نيتشه ظل قابعاً في قوقعة الفلاسفة المثاليين الذين كان ينتقدهم، فوضع منظومة ضد نظرياتهم وأسساً ضد قواعدهم وواقع الحال البشري كان على الدوام ضد ما يقوله وضد ما يدعو إليه.
  فدائماً النظرية أبعد ما تكون عن الممارسة، والفعل ضد القول، أما "صدمة" نيتشه الكبرى لعقولنا في التلقي فهي أنه كتب على الأوراق ما كان، وما زال، يمارس بالفعل. فقد ظلت الكلمة المكتوبة في عصره، النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تحمل الكثير من الرهبة والمكانة التي كانت بقايا المكتوب المدرسي الكنسي يمارسه على العقول والأذهان.
  ولكن الفضيلة التي تعود لنيتشه في طرح الممارس والمرتكب على بساط المكتوب، ففي كتابات نيتشه تعانق المقدس/ المكتوب مع المدنس/ الممارس. كان فتحاً عظيماً يُحسب لنيتشه أن تعانق المثالي مع الغريزي، والنظري مع العملي في كتابة أقل ما تعلن به عن نفسها أنها كتابة فلسفية، وكانت الصدمة التي أحدثها نيتشه أن الخطاب الفلسفي كان يحمل الكثير من مثاليات الحقيقة المطلقة، والتحليق في أعالي المثاليات فجاء نيتشه لكي يجعل الفلسفة كائناً يمشي على الأرض، جعلها حقيقة نراها بأعيننا فيما نرى من حقائق الحياة وبأيدينا بما نمارس من ضلالات وفي أعضائنا، جميعاً، بما نفعل ونرتكب من شهوات وما يملأ رؤوسنا من أهواء ورغبات.
  تلك هي عظمة نيتشه التي جعلت الإنسان الغربي يعود إليه، بل يعود إليه الإنسان في كل مكان بعد طول فقد ونسيان؛ ذلك لأن حركة الحياة بنزواتها واندفاعها وضلالاتها وشهواتها التي دعا إليها قد تحققت، لا بفعل دعوته بل في إطار التطور الطبيعي لمسار الغريزة البشرية التي كان يدعو إليها. وفي الحقيقة إن كلمة "يدعو" لا تتناسب مع هدف نيتشه ولا تتناسب أيضاً مع واقع ما حدث بعده، أما عن نيتشه ذاته فلم يكن يحب أن يكون داعياً لشيء ولا مبشراً بشيء، ولا متبَعاً من أحد، لقد كانت دعوته، إذا صح أن تسمى دعوة هي أن يتبع الإنسان ذاته ويسير وراء ما تدعو إليه، أن يفصح الإنسان عن مكنونات مكبوتاته التي راكمتها سنوات بل قرون من القهر والاتباع، أن يتخلص من جميع الكهنة والدعاة في كل مجال من مجالات فكره وفي كل خاطرة من خاطرات ذاته، وفي كل سلوك من سلوكيات أعضائه. أن يدمر قيود التراكمات الكهنوتية في الدين والفلسفة والتربية والمجتمع وعند هذه اللحظة التي يستطيع أن يتخلص فيها من القيود يبدأ حياة أخرى يحمل فيها الإنسان/ الفرد وزر نفسه، يضع لها قواعدها ويمارس فيها وبها أهواءه ونزواته ومثالياته، إذا صح أن تسمى مثاليات، فلا مثالية عنده إلا ما يصدر عن الذات الفردية التي تتحمل مسؤولية ذاتها، وتصنع لنفسها منظومة المفاهيم والقيم التي تسير عليها، فعندما يستبطن الإنسان ذاته ويصل، فعلياً، إلى مكنوناتها ومكوناتها، حينئذ، فقط، يستطيع أن يتحدث عن "الخير" و"الشر".. فالخير هو ما تقرره له ذاته والشر هو ما تشمئز منه ولا شيء وراء ذلك أو بعده، فليس من الحكمة في شيء، ولا من الفضيلة في شيء، عند نيتشه، أن يظل الإنسان مترنماً بلحن القطيع الذي يغنيه الجميع ولا أحد يدرك مكونات نوتته الموسيقية، إنه يدعو إلى اللحن الفردي الذي يصدح فيه صوت الإنسان الفرد بما يملك من قوة، وبما يمارس من دور في تكوين ذاته، وفي تكوين الحياة من حوله.
  إنه الإنسان القوي قوة الكون كله، الإنسان الذي يجابه العالم بلحنه الخاص وبمعزوفته الفردية. أما عدم تناسب كلمة "يدعو" مع واقع ما حدث بعده فلأن إنسان القرن العشرين واصل قفزات وانطلاقات القرن التاسع عشر وما سبقه من سنوات، بل وما سبقه من قرون في اتباع غريزته، وترك رغبته التدميرية لتأخذ مداها وتمثل ذلك في حربين عالميتين، وما خُتم به القرن العشرون من نهاية مأساوية وتحلحل لمجموعة هائلة من التماسكات التي ظلت قائمة لوقت طويل. وقد حدث ذلك دون أن يكون لدعوة نيتشه أي صدى، فقد ظلت مسيرة الإنسان في ممارسة نفسه وتدميره للذات وللغير دون أدنى تأثر به أو بغيره من الدعاة أو حتى الفلاسفة. مهلاً .. هل قلت "الدعاة" نعم ها هنا تظهر كلمة جديدة عن فكر نيتشه وفلسفته، لشد ما كره وحارب نيتشه "الدعاة" ومن في حكمهم مثل: الكهنة والفلاسفة المثاليين وغيرهم من الذين يدّعون قيادة البشرية وتعليمها وترقيتها، إن كان لأفراد، في عصرنا الحاضر، من تأثير فهو للدعاة، فمن الدعاة؟ وما المقصود بهم؟ لقد قصد بهم نيتشه هؤلاء الذين يعملون دائماً على محاربة كل فكر حر، وعلى مواجهة كل انطلاقة إحساس، وعلى إسكات كل نبضة قلب حرة بريئة يرونها خارجة عن أطرهم ومقاييسهم، إنهم هؤلاء الذين نلتقيهم في حياتنا ويحيطون بنا من كل جانب، إنهم أصحاب الحقيقة المطلقة في كل مجال من مجالات تخصص كل منهم، أصحاب الحقيقة المطلقة الذين يقدمون أرواح الآخرين فداء لأفكارهم لأنهم يدخرون أرواحهم للدفاع عن حقائقهم المطلقة!! ويعملون على نشرها في كل مجال بشتى الطرق والوسائل الممكنة، ويتمنون قتل كل من لم يعتنق فكرهم أو يرى رؤيتهم، هؤلاء الذين نراهم حولنا في كل مجال: في الدين، والسياسة والاقتصاد، والاجتماع، والإعلام، والتربية... إلخ.
  إنهم أناس من فولاذ، لا يتأثرون بالتغيرات ولا يبالون بالتطورات فكل متغير هو ابتعاد عن حقيقتهم المثالية القابعة في أدمغتهم التي لا تدخلها شمس الحرية ولا تتنسم هواء التغيير. هؤلاء الذين يرى الآخرون أنفسهم صغاراً أمامهم، وهم يتيهون زهواً بقناعاتهم المطلقة التي يطاولون بها عنان السماء، فلا شيء عندهم قابل للشك أو يقبل المناقشة، فالمناقشة في عرفهم هي الباب الذي يدخل منه الشيطان، الدعاة المقصودون هم الذين يتشدقون بكلام عن السماء ويمارسون أرذل الأفعال، فألسنتهم انفصلت، تماماً، عن أعضائهم الأخرى، لا ترى منهم غير ألسنتهم الواثقة المتيقنة مهما كانت رؤوسهم وأيديهم وأرجلهم تحمل جميع الشكوك، تجدهم يتفاصحون بطنطنات الاستقامة ونفوسهم يملؤها الاعوجاج. إن الإنسان الذي حاربه نيتشه هو الإنسان الذي يلبس غريزته ثوب القيم العليا، والمثل المطلقة ثم يقول للناس: هاكم قيمي العليا المترفعة وأفكاري المثالية وعليكم باتباعها، ولكن في المحصلة النهائية إلى مَن يستمع الناس؟ إلى فيلسوفهم أم إلى غرائزهم؟ إلى مثلهم العليا أم إلى مفردات ونزوات حياتهم وشهواتهم، إن أفضل مدعٍ للفضيلة هو حامل لموبقات الرياء، جميع هؤلاء المتحدثين عن المثل والغارقين في التفاهات أخشى منهم أكثر من خشيتي من ممارسي الرذيلة، إن ممارس الرذيلة يحمل فضيلة الشجاعة في إعلان منهجيته الذاتية المستجيبة لرغباته، وكذلك يحمل فضيلة حسن الإصغاء إلى تلك الذات/ الجسد الذي يحمله متحركاً به دون أن يلعنه ودون أن يحول طاقته الداخلية إلى طاقة تدميرية لأفراد المجتمع البشري، ودون أن يلعن هذا الجسد في العلن ويطالب الآخرين بمشاركته في أنشودة الرياء التي ينعم بها الجميع.  
  قسم نيتشه الأخلاق، في إطار تناوله التاريخي لها، إلى أخلاق سادة وأخلاق عبيد، كانت أخلاق السادة هي أخلاق القوة والرقي والنماء، أما أخلاق العبيد فهي أخلاق التواضع والضعف والمسكنة فالسادة، أي الطبقة الأرستقراطية، هي التي تمتلك القوة لرد الاعتداء، أما العبيد الذين لا يملكون تلك القوة فهم أولئك الذين ينحطون إلى مستوى الغفران والتسامح، ليس لأنهم يترفعون عن رد الاعتداء لكن لأنهم لا يملكون قوة السادة في الرد والقوة ومستوى الارتقاء الإنساني، وفي إطار ذلك نسي نيتشه أن هذه الأخلاق التي صنعها العبيد لكي تصد عنهم غائلة الظلم وتعزي أنفسهم المكلومة هي أخلاق قد صنعت وصيغت على يد السادة، فهؤلاء الأقوياء في مصادر الثروة والمادة استطاعوا أن يكونوا أقوياء كذلك في امتلاك القوة المعنوية في فرض الأخلاق التي تبقي على سيطرتهم وقدرتهم على إبقاء السيطرة على الضعفاء/ العبيد.
  نظر نيتشه إلى الأخلاق السائدة في أوربا والتي أتتها من المسيحية باعتبار أن المسيحية رفعت من شأن أخلاق العبيد وحطت من شأن أخلاق السادة، وفي الحقيقة فإن قفزات نيتشه على حقائق التاريخ أنسته أن تلك الأخلاق لم يكتب لها الانتشار أو الإقرار على مستوى القاعدة العريضة من الجماهير إلا عندما تبنتها السطة الرومانية واستطاع السادة الأقوياء الحاكمون في زمن الرومان أن يفرضوا تلك الأخلاق التي تخدم مواقعهم، وتؤكد قوتهم وسيطرتهم، ففرضوا أخلاق الضعف والمهانة والتواضع والمسكنة على الناس لكي يستطيعوا أن يتمكنوا من استمرار سيطرتهم وقدرتهم على توجيه تلك الكتل البشرية الهائلة من الشعوب التي أخضعوها لسيطرتهم، واستمرت الحياة في سيرورتها تنتصر لمبدأ القوة، والكلام الأخلاقي ينتصر لمبدأ الضعف، فلو افترضنا أن نيتشه كان يقوم بحملته على النظرية الأخلاقية دون تطبيقها لصح ذلك، لكن المشكلة أن نيتشه لم يفرق بين النظرية والتطبيق بل أخذ الأمر وكأن تلك الأخلاق التي تدعو إلى التواضع والبساطة هي التي توجه الحياة، لقد استمرت الحياة قبله وأثناء حياته وبعده في تطبيقاتها العملية تنتصر لمبدأ إرادة القوة، فعندما يمتلك من أسماهم نيتشه بالعبيد القوة فإنهم لم يتورعوا عن التحلي بأخلاق السادة الذين دعا إلى التحلي بأخلاقهم، بل إنهم يزيدون الأمر شدة في الثأر للميراث التاريخي من القهر والعبودية.
  التماعات ولمحات ونفثات نيتشه الفلسفية لا زالت قابلة لأن نعود إليها فنرى كثيراً من صور الواقع التي حاربها ووقف ضدها، قد يكون مثالياً في عرضها، لكنه امتلك جرأة محاربتها في وقت كان الواقع الفكري للإنسان منفصلاً عن واقع الممارسة، نعود إلى نيتشه فنرى "إنسان المطلق" الذي حاربه لا زال قابعاً فوق نفوسنا، مواجهاً لانطلاقتنا الفكرية، ومحارباً لفعاليتنا الشعورية، فلا نستطيع أن نفر منه إلا إلى ذواتنا المحضة التي حملت الكثير من الآلام والتشويه وتحتاج إلى أمل في الخلاص. الخلاص من المطلق الذي امتلك علينا حياتنا وأغلق من دونها كل منافذ الانفتاح أو الرؤية لما يمكن أن يشكل متنفساً حراً لأفكارنا أو قدرة على ترقية حياتنا التي أصابها العطب من قلة تجديد هواء غرفها الفكرية؛ لانغلاقها واحتباس منافذ التجديد فيها عن السير أو التطور. 
يمكن تحميل كتاب نيتشه من الوصلة التالية: