الجمعة، 15 نوفمبر 2013


خيانة المثقف بين سعيد وجرامشي
يحيل عنوان كتاب إدوارد سعيد (خيانة المثقفين) إلى العنوان الضد في عمل إدوارد سعيد الفكري، والذي ارتكز عليه كثيراً في تحليلاته لمختلف القضايا الثقافية والفكرية في المجتمع الإنساني بشكل عام، وفي المجتمع العربي بشكل خاص، إنه عنوان (المثقف العضوي). هذا العنوان الفكري المتفاعل مع قضايا المجتمع الذي ابتدعه الفيلسوف الإيطالي والمناضل الماركسي أنطونيو جرامشي، الذي ولد عام 1891، وتوفي تحت آلام التعذيب في سجون موسوليني عام 1937، مدافعاً عن قضايا الإنسان وحقوقه العادلة في الحياة والحرية والكرامة. http://www.4shared.com/office/_grSTtwY/_online.htm، متحركاً في المجتمع، مندمجاً بقضاياه. لم يجد جرامشي، في سبيل بحثه عن حقوق العمال والطبقة المسحوقة في المجتمع، فائدة لهذا المجتمع من مثقف يراكم معرفة نظرية أو تنظيرية منفصلاً عن الحياة وعن المجتمع، بل وجد أن المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي الذي يحيا بقضايا الناس وتفاعله معها، هو المثقف الذي يعايش معاناة المجتمع، وطبقاته العاملة، وفئاته المهمشة. كانت فلسفة "البراكسيس" هي الجماع التنظيري لعمل جرامشي، وهي التي تعني الممارسة العملية للفكر النظري، وهي لا تعني الفصل المتعسف أو الساذج بين "النظري" و"العملي"، لكنها تشير إلى الفهم العميق لجدلية العلاقة المتبادلة بين التنظير والممارسة، في سبيل تكوين وعي أعمق بالواقع من ناحية وبالفلسفة والتنظير من ناحية أخرى. هي التعامل المباشر مع الواقع قبل التحليق في خيالات التنظير التي تأتي بالكثير من السلبيات، أقلها جعل المثقف يعيش في عالمه المنفصل.
كانت المعادلة الصعبة في حياة إدوارد سعيد هي أن يجمع بين مفهوم "المثقف العضوي" الجرامشية الماركسية في سياقها وفي مفهومها، وثقافته الليبرالية، وقد وجد من اندماجه في قضايا مجتمعه الأصلي (فلسطين) مرتكزاً لتحقيق كيانه في الممارسة الثقافية كمثقف عضوي، أما الجانب الآخر من ممارساته فقد اعتمدت على الخروج من أسوار الجامعة، بما كان ينظر لها على أنها تعمل على التواطؤ مع الأنظمة السياسية والتبرير لها، في أشد الأنظمة ديمقراطية وهي أمريكا، وأن الوسيلة الوحيدة للخروج بالجامعة من هذا الحصار الذي تعمل السلطات السياسية على تقويته، من خلال سياسة المنع والمنح، هو أن يتحول المثقف/ الأستاذ الجامعي إلى المجتمع، أن ينفتح على فضاء الوجود الإنساني للدفاع عن المضطهدين والمهمشين.
في إطار ما سبق كتب إدوارد سعيد كتابه الأشهر الاستشراق   http://www.4shared.com/office/sRgn7MoK/__-_.htm، باحثاً في أغوار التاريخ والثقافة والأبنية الفكرية المختلفة عن جوانب صنع صورة الآخر من خلال القهر الاستعماري والسيطرة بصورها المختلفة من خلال الفكر والثقافة وصنع الذهنية المستعلية/ الغربية، والذهنية الخانعة/ الشرقية. وقد أثار الكتاب الكثير من المناقشات على المستوى العربي، بعد أن أثار الكثير من الجدل والحوار وقدمت حوله الدراسات على المستوى العالمي.
وبناء على ما سبق نستطيع أن ننظر في كتاباته التي تتحدث عن "خيانة المثقفين"، والتي يبدو أن كتابنا الحالي يجمع بين دفتيه المقالات التي كتبت فيها، فهي خيانة المثقف لقضايا المجتمع الذي يعيش فيه، خيانة الاندماج الفعلي لحرية الإنسان وحقوقه.
نستطيع أن ننظر مقارنين بين مفهوم "المثقف العضوي" و"المثقف الخائن" في تداعيات وتبعات الثورات العربية، حيث نجد أن طليعة المثقفين من صحفيين وكتّــاب وأصحاب رأي ورؤساء وأعضاء أحزاب هم أول من يتسابق للحوار مع الأنظمة التي أتخمت من كثرة امتصاص دماء الناس وثرواتهم، بينما الشباب الفاعلين والمؤثرين والداعين إلى الثورة، والذين دفعوا دماءهم في سبيلها هم من يصرون على تغيير "راديكالي" شامل يأخذ كل عفونات الأنظمة القديمة في طريقه، مستعدين في سبيل دعوتهم وإصرارهم عليها دفع المزيد من الدماء والتضحيات.. فهل نحن بإزاء تبلور وظهور مثقف جديد في مجتمعاتنا العربية يظهر للمرة الأولى في تاريخها هو المثقف العضوي؟.. نستطيع أن نجيب بنعم واثقين من حكمنا بناء على ما حدث في العام الماضي وإلى الآن، لكننا لا يمكن أن نطمئن للواقع الفعلي لتحول المثقف العضوي إلى "جيل" مؤثر في مجمل تاريخنا إلا عندما يتلاشى "المثقف الخائن" الساعي إلى فتات السلطة وإغراءاتها، سواء بإجراءات ثورية عندما يمتلك الثوار القوة الكافية، أو بمراجعة شاملة للضمير الثقافي لدى الإنتلجنسيا العربية المدعية، وهذا مستبعد.. لكن الرهان على الزمان وفعالياته مع متغيرات ما تموج به مجتمعاتنا من فعاليات إيجابية لأجيال جديدة أصبحت تفرض إرادتها على السلطتين: السلطة الخشنة (سلطة السلاح، بأوهام تمسك القائمين عليها بوهم الانقلاب المنقرض) والسلطة الناعمة (سلطة الأبنية الثقافية التي في طريقها للانهيار).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق