الاثنين، 14 نوفمبر 2011

طه حسين.. كفيف يرشد المبصرين إلى أنوار العلم والمعرفة

  لو نظرنا في حياته كدليل على رحلة الكفاح في مواجهة صعوبات الحياة لكانت مثالاً يحتذى لكثير من الناس، فقد كان قدوة ومثالاً يستحق أن يفكر فيه كل من يجد من الصعوبات أقل مما واجهه ويقعد عن العمل والسعي.. أما عن تحصيل العلم فتستحق حياته أن تُتخذ مثالاً عليه، سواء للمبصرين أو المكفوفين، فقد كان نموذجاً يستحق أن يقتدي به الجميع في تحصيل العلم والمعرفة.. كان أستاذاً جامعياً يحمل همَّ مجتمعه ويدافع عن حقه في الرفعة والنهضة، واستحق أن يكون مثالاً محرضاً لكل أستاذ جامعي تقعده إرادته عن النظر لما حوله، والاكتفاء بالتدريس داخل أسوار الجامعة، دون أن يتطلع لحل مشكلات مجتمعه أو ينظر خارج أسوار جامعته، التي يكتفي بها وكأنه "موظف علمي" يوصل محتوى العلم لطلابه ولا يعرف شيئاً عن تأثيره في المجتمع.. إنه طه حسين الذي شغل الناس في القرن العشرين واختلفت فيه الآراء وتعددت منه المواقف، بين محب شديد الحب له، ينسب إليه أفضل الصفات والسمات، وبين كاره ومتهم له بأشنع الأخلاق، وبين هذا وذاك يكون دائماً مصير العظماء الذين لا يقعون في "منطقة وسط" ويحلقون دائماً في الأعالي.
محمد اللباني: أصداء فلكية
معاناة البداية
  نشأ طه حسين نشأة فيها من المعاناة أكثر مما فيها من الراحة والطمأنينة، وتعددت صور المعاناة في حياته بما يكفي لتدمير الإرادة مهما كانت قوتها، وبما يدمر كل رغبات الارتقاء مهما كانت قدرتها. وقد صور بنفسه ذلك في سيرته الذاتية، بأسلوبه الراقي وتعبيره المميز، وقدرته على الوصف والتحليل. وأتى كتابه "الأيام" ليكون نقلة أدبية في تاريخ الرواية العربية عموماً، وفي تاريخ كتابة السيرة الذاتية بشكل خاص، ففي هذه السيرة الذاتية يحدثنا عن معاناته التي تضمنت مستويات متعددة من المعاناة.. معاناة من ألم فقد البصر منذ الصغر (في الثالثة من عمره)، ومعاناة التعلم في الكتّاب على يد معلم التحفيظ الذي لم تكن تصرفاته فوق مستوى الشبهات، وكان يمتلك من القسوة والتفرقة في المعاملة بين مختلف الطلاب على حساب عطاء أهلهم المادي ما جعله ينفر منه، ومن تابعه "العريف" أو المساعد الذي لم يكن أفضل منه بشكل من الأشكال. ومعاناة أخرى هي التمزق بين الرغبة في العلم والمعرفة وصعوبة الوصول لها بالطريق الذي يتمنى ويرغب، فقد كانت أمنيته في الرحيل إلى القاهرة والدراسة في الأزهر هي الأمنية التي ملكت عليه منافذ تفكيره ورغبته، ومما شجعه على ذلك أخوه الأكبر الذي كان يدرس في الأزهر، فقد كان طه حسين فرداً في كتيبة من الأبناء تتكون من 13 فرداً، ولم يكن لطفل في هذه المجموعة أن ينال من الرعاية ما يكفي، لكن طه حسين نفسه كان يرى أنه يعامل معاملة مميزة؛ نظراً لوضعه الخاص من الناحية الصحية، وبالطبع كانت هذه المعاملة التي رآها مميزة في صغره لم تكن مميزة بالفعل إلا بالنظر إلى حال أخوته وظروفهم الصعبة.
  يعيش مع ذاته منفرداً في طفولته، يستمع إلى ألحان شاعر الربابة حيناً، وإلى أغنيات الفتيات العائدات من الترعة عندما يجلبن الماء أحياناً، ويستمع إلى أصوات الخوف كما يسمع بشائر الفرح والغبطة، فقد اتخذ من أذنه وسيلة أساسية لاستيعاب العالم من حوله، ولم يجد غير الاستماع ممارسة يستطيع بها أن يشعر بما حوله ويتجاوب معه. واستطاعت ذاكرته أن تحفظ وتعي الكثير من مناقشات من يعدون أنفسهم علماء قريته أو القرى المحيطة، والذين كانوا يأتون لمجلس والده أو يستمع إليهم في محاوراتهم في أماكن أخرى. يقول عن نفسه متحدثاً عن فترة ما قبل الأزهر: "وكان صبينا يختلف بين هؤلاء العلماء جميعاً، ويأخذ عنهم جميعاً، حتى اجتمع له من ذلك مقدار من العلم ضخم مختلف مضطرب متناقض، ما أحسب إلا أنه عمل عملاً غير قليل في تكوين عقله الذي لم يخلُ من اضطراب واختلاف وتناقض".
الأزهر ومحاولة للفهم
  بعد مراحل من المعاناة وصل طه حسين إلى الأزهر واستمع إلى شيوخه فكانت صدمته بهؤلاء الشيوخ لا تقل عن صدمته بشيخ الكُتّاب الذي كان يحفظ عنده القرآن الكريم، ولكنها كانت صدمة من نوع آخر، لقد كانت صدمته من طريقة التعليم القائمة على التلقين، والبعيدة كل البعد عن التفكير وإبداء الرأي، فكثيراً ما تصادم مع معلميه في الأزهر على أساس رغبته في أن يفهم ما يسمع، ويناقش فيما يتعلم، لكن أمنيته في التعلم بهذه الطريقة تبددت هباء مع كثير من الأمنيات التي تبددت في حياته، فقد كانت العقول لا تستوعب ما يفكر فيه ولا ترضى بغير طريقة الحفظ والتلقين والنقل، وكأن العقل لم يخلق للإنسان كي يفكر به، بل خلق كي يحفظ من خلاله ما قاله الآخرون. لا يعني ذلك أن طه حسين كان الوحيد من بين زملائه الدارسين الذي يتمنى إبداء الرأي والتفكير، لكن يعني أنه كان الأكثر عزماً وإصراراً في تحقيق ما يتمناه من أسلوب في التعليم يقدم له ما يتمنى من ترقية ذهنية وعقلية. مرت عليه أيام الأزهر بحلوها ومرها، وكان رغم ذلك لا يكتفي بدروسه بل كان متنقلاً مثل الفراشة بين مختلف الزهور، فيذهب إلى مختلف الدروس ليستطيع تلقي العلم على كل الشيوخ.
يتحدث عن الصعوبات التي قابلته في حياته الجديدة في الأزهر قائلاً: "لا يستطيع أن يطلب إلى أخيه الإذن له بأن يحضر مجلس هؤلاء الشباب، ويستمتع بما فيه من لذة العقل والجسم معاً. لا يستطيع أن يطلب ذلك؛ فأبغض شيء إليه أن يطلب إلى أحد شيئاً. ولو قد طلب إلى أخيه لرده عنه رداً رفيقاً أو عنيفاً، ولكنه مؤلم له، مؤذٍ لنفسه على كل حال. فالخير أن يملك على نفسه أمرها، ويكتم حاجة عقله إلى العلم، وحاجة أذنه إلى الحديث، وحاجة جسمه إلى الشاي، ويظل قابعاً في مجلسه مطرقاً مغرقاً في تفكيره". فقد كانت لفترة الدراسة بالأزهر صعوباتها الخاصة بها، لكنه لم يترك شاردة أو واردة تمر على أذنه إلا سجلها في ذاكرته، واستطاع من خلال ذاكرته الواعية أن يقدم "نماذج بشرية" في صورة سردية محكمة لكثير من الدارسين في الأزهر، فمنهم من كان يسعى لطلب العلم باجتهاد وإخلاص، ومنهم من كان يبحث عن شهادة يتفاخر بها اجتماعياً، وثالث يبحث عن العائد المادي الذي يستفيد به إذا حصل على شهادة "العالمية" من الأزهر، والعالمية هو اسم الشهادة العليا بالأزهر والتي كانت تؤهل الحاصل عليها للتدريس بالأزهر، ولم يتوقف عند ذلك بل وصف حالة الحارة المصرية التي كان يعيش فيها في سكنه مع زملائه الأزهريين، ورصد أنماطاً من الشخصيات والطباع وأساليب الحياة والعيش في تلك المناطق الفقيرة على المستوى المادي، لكنها غنية على المستوى الإنساني.
الابتعاث للخارج
  سمع خبراً عن حاجة الجامعة المصرية لابتعاث دارسين إلى الخارج للدراسات العليا في أوروبا، وكان من غير المتصور أن يتقدم لها أحد المكفوفين، إضافة لعدم إجادته للغة الفرنسية، فشروط التقدم من الناحيتين العلمية والصحية لم تكن تنطبق على طه حسين، لكن شروط الطموح العلمي والتطلع للارتقاء في مجالات العلم والمعرفة كانت تنطبق عليه تماماً، وقد يكون لديه منها ما يزيد عن المطلوب. يتحدث عن هذه الواقعة في كتابه "الأيام" ليذكر أنه قد أرسل خطابين إلى رئيس الجامعة قوبلا بالرفض في كل مرة، لكن رأفة به ورغبة من مجلس الجامعة في التخلي عن رفضهم دون جرح مشاعره وعده المجلس بالنظر في طلبه العام التالي، بعد أن يكون قد تحسن مستواه في اللغة الفرنسية أو حصل على شهادة العالمية (الدكتوراه) من الأزهر، وإذا به يفاجِئ إدارة الجامعة في العام التالي بالحصول على شهادة العالمية مع تحسن في مستواه في اللغة الفرنسية، فما كان منهم إلا الموافقة على طلبه مضطرين؛ نظراً لما وعدوه به قبل ذلك، وبسبب قطعه كل سبل الرفض التي كانوا يدعونها قبل ذلك.
مشروعه الفكري
  لو أردنا أن نلقي ضوءاً، ولو قليلاً، على المشروع الفكري لطه حسين لضاق المجال عن ذلك، فقد تعددت وتنوعت اهتماماته الفكرية والأدبية فغطت الكثير من قضايا الأدب والفكر في التراث العربي، وطريقته في رؤية هذا الأدب وتقييمه، واستنتاج حياة القدماء من خلاله، وقد يتساءل متسائل، وما الجانب المؤثر في حديثه عن القدماء وعن تراثهم وأدبهم ومجتمعهم؟ ستتضح الإجابة من خلال كتابات طه حسين ذاته، حيث يأخذك طه حسين في كتابته في رحلة شيقة يربط فيها بين الحاضر والماضي، ومن خلال تفسير كثير من قضايا الحاضر من خلال العودة بها إلى التراث، والبحث عن طبقات هذا التراث وتراكمها في أنفسنا وحياتنا وكيف تؤثر علينا، فكان يقرأ الماضي وذهنه منشغل بالحاضر، ويتحدث عن الواقع وفكره مهتم بالماضي، يبحث عن التأثيرات المتبادلة بين عصر وآخر، يأخذ الفكرة الواحدة فيتجول بها بين أروقة التاريخ ليصل إلى بذورها الأولى وتغيرات العصور بها وتبدلاتها مع الواقع الاجتماعي إلى أن وصلت لشكلها وصورتها الحالية، فيدهش القارئ لصبره على هذا التتبع والقدرة على التركيز الذهني والفكري الذي يستطيع من خلاله أن "يفكك" ويبسط أعقد الأفكار وأصعب القضايا.
  فتعددت اهتماماته من موضوعات في النقد الأدبي وطريقة قراءة الشعر والنثر ورؤيته في هذه القراءة إلى وسائل التعرف على جودة الأدب وقدرة الأديب على التأثير في واقعه المحيط به وفي مَن يقرأ له، حيث يأخذ طه حسين بيد القارئ خطوة بخطوة نحو فهم الأدب ومعرفته وفهم القضايا الفكرية والاستفادة منها، فيبدأ القارئ في رؤية الأعمال الأدبية، سواء الشعرية أو النثرية، رؤية أخرى لم يعتد أن تكون هي طريقته التي يرى بها. فطه حسين يجعل من قارئه، الذي يفهمه جيداً، إنساناً آخر في الفهم والرؤية وطريقة تحليل الأمور، فسواء اتفقت معه كقارئ أو اختلفت فإنه سيغير من طريقتك في التفكير، ويعدل من مستوى رؤيتك للأمور.
  كتب في التاريخ الإسلامي "على هامش السيرة" فكان أسلوبه فريداً في طريقة العرض الروائي لأحداث السيرة النبوية، فقد استوعبها طه حسين جيداً وقرأها مرات ومرات من كتب القدماء، ثم أملاها بأسلوبه السلس وبطريقته التعبيرية المتميزة، فكانت السيرة النبوية في كتابه كأنها رواية مكتوبة في العصر الحديث، بكل عناصر الرواية من شخصيات وأحداث وزمان ومكان، وكان هدفه من ذلك أن يعمل على تقريب السيرة من أذهان الناس الذين لا يستطيعون قراءة السيرة في مصادرها الأصلية أو لا يقدرون على قراءتها، أو يقدرون ولكنهم لا يصبرون على أسلوب كتابة القدماء وطريقتهم في رصد الأحداث والوقائع، يقول طه حسين في مقدمة الكتاب: "فليس في هذا الكتاب إذاً تكلف ولا تصنع، ولا محاولة للإجادة، ولا اجتناب للتقصير، وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما أجد من الشعور حين أقرأ هذه الكتب التي لا أعدل بها كتباً أخرى مهما تكن، والتي لا أمل من قراءتها والأنس إليها، والتي لا ينقضي حبي لها وإعجابي بها، وحرصي على أن يقرأها الناس. ولكن الناس مع الأسف لا يقرؤونها؛ لأنهم لا يريدون أو لأنهم لا يستطيعون. فإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبب إلى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة، وكتب الأدب العربي القديم عامة، والتماس المتاع الفني في صحفها الخصبة، فأنا سعيد حقاً، موفق حقاً لأحب الأشياء إلىّ، وآثرها عندي".
المثقف والسلطة
  دائماً ما نجد العلاقة بين المثقف والسلطة تمثل حالة من حالات الالتباس وسوء الفهم في مجتمعاتنا، حيث يمثل المثقف جانباً من جوانب "الإزعاج" للسلطة، فتحاول أن تستوعبه في أية صورة من الصور التي تصب في مصلحته الشخصية، فتقدم له المكانة أو الوظيفة التي تجعله يتحول إلى تابعٍ لها في فكره وسلوكه، لكن ما حدث لطه حسين كان على العكس تماماً من هذه القاعدة، فقد استفاد من السلطة في تحقيق مشروعه الفكري والثقافي أكثر مما استفادت منه السلطة في تثبيت دعائمها وقوتها.
  وصل طه حسين إلى مرتبة رفيعة من مراتب السلطة، وخاصة في المجال العلمي الجامعي، فأسس جامعة الإسكندرية، التي عدت إضافة نوعية وكمية للتعليم الجامعي في عصره، واتجه إلى المجتمع فأنشأ المجلس الأعلى للثقافة، وقام من خلاله بكثير من المشروعات الثقافية التي أحدثت أثراً واضحاً في المجتمع بما قدمته من "خدمة" ثقافية للجميع، وعندما أصبح وزيراً للمعارف عمل على تطبيق مشروع عمره، وهو "جعل التعليم كالماء والهواء" للجميع، ونجح في تطبيق مجانية التعليم لجميع المصريين؛ مما أحدث نقلة نوعية في حياة مصر ما قبل الثورة، وسمح لكثير من الفئات أن تنال تعليماً لا يقل في جودته عما كان يحصل عليه أبناء الأغنياء ويقتصر عليهم، فتكونت قاعدة من المثقفين والمفكرين وأساتذة الجامعات من فئات الطبقة الوسطى التي كانت تنتظر دورها في المجتمع، ولم تستطع القيام به إلا عند تحقيق مجانية التعليم، التي أفسحت المجال واسعاً أمام استقطاب مجهودات تلك الفئات التي كانت محرومة من المشاركة في المجتمع، رغم طاقتها العالية وهمتها في المشاركة المجتمعية.
في الشعر الجاهلي
  لم يكن لكتاب أن يحدث تلك الضجة التي أحدثها كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين لو كان موضوعه فقط هو الحديث عن الشعر الجاهلي، لكن ما أحدثه من ضجة وخلاف في العقد الثالث من القرن العشرين كان يعود إلى "المنهجية" العلمية التي يطرحها طه حسين في الكتاب. فلم تكن الدراسات الأدبية والفكرية في مجتمعاتنا التي تعودت على السائد والمتعود عليه من المناهج التراثية في الرؤية والنظر أن ترضى بتلك المنهجية التي أراد من خلالها طه حسين أن يحرك المياه الراكدة في الحياة العلمية العربية. وكل ما أراد أن يفعله هو أن يفك الاشتباك القائم بين الدين والعلم بطريقة تحفظ للدين مكانته، وتجعل العلم على بينة مما يفعل، ففرق في دراسة التاريخ بين المعتقد الديني الذي يحث الإنسان على الأخذ بالوقائع التاريخية موقع التسليم والإيمان بحسب ما ورد في الكتب الدينية، وبين دراسة التاريخ كعلم يحتاج إلى أدلة برهانية مادية وغير مادية يحتاج إليها العالِم لكي يسمى علمه علماً، وبدون تلك الأدلة "العلمية" لا يمكن أن يسمى علماً، بل يمكن أن تعد الأحداث التاريخية أو الوقائع التاريخية الواردة في النصوص الدينية موضوعات إيمانية تقوم على التسليم بصحتها، لكنها لا تلزم العالِم الذي يجب أن يتجرد من عقيدته الدينية عند القيام ببحثه التاريخي أو عند القيام بممارساته العلمية التي يجب أن يتجرد فيها من جميع العواطف والمصادرات الأولية، بما فيها المعتقدات الدينية.
  لم يكن ذلك المنهج العلمي إلا صدمة أصابت الأوساط المحافظة والتراثية والعقول المتحجرة التي لا ترى الحقيقة إلا من جانب واحد، ولا تستطيع أن ترى وجهاً آخر للحقيقة مهما تعددت وجوهها، ومهما اختلفت زوايا النظر أو التحليل؛ لذلك قامت قيامتهم على الكتاب، ودخلت السياسة وتصفية الحسابات السياسية طرفاً في الموضوع، كما يحدث دائماً، أو كما حدث في أحداث مصادرة الكتب أو الثورة عليها بعد ذلك وطوال القرن العشرين، فقد عم السخط والغضب على الكتاب وعلى صاحب الكتاب مبتدئين بتقديم بلاغ للنائب العام متهمين طه حسين بالخروج عن الدين، وتتداعى الأحداث وتجرى التحقيقات... لكن كانت المفاجأة التي صدمت كل الاتجاهات المتعصبة للقديم، فقط لأنه قديم، والتي لا ترى غير رأيها، وذلك في قرار وكيل نيابة مصر وقتها محمد نور الذي أبدع في صياغة وثيقة أدبية في غاية الدقة من حيث إلمامه بالموضوع وسعة ثقافته وإحاطته بالقضية بشكل عام، فيتحدث فيها عن الجوانب الفكرية والعلمية والقانونية للقضية، ثم يختتم مذكرته قائلاً: "إن للمؤلف فضلاً لا ينكر في سلوكه طريقاً جديداً للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين... وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها... وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر.. "فلذلك" تحفظ الأوراق إدارياً... محمد نور رئيس نيابة مصر.
  ويرحل طه حسين، عام 1973م، مخلفاً وراءه تراثاً فكرياً وأدبياً ضخماً، والأهم من ذلك أنه رحل مخلفاً أجيالاً من الذين استفادوا من تجربة مجانية التعليم التي كافح من أجلها، إضافة لعدد من الذين حملوا أفكار التنوير التي قدمها، ويكافحون قوى الظلام الفكري في سبيل تقديمها لمجتمعهم؛ بهدف منح العقل مكانته التي يستحقها في الفكر والأدب والمجتمع.

الأحد، 9 أكتوبر 2011

لعبة الأقنعة في طقوس إشارات ونّوس*

محمد إسماعيل اللباني
  القناع تقنية مسرحية استُخدمت في فترات تاريخية مختلفة، وكان القناع الذي يرتديه الممثل هو المعبر عن دوره في المسرحية، ولكن الحياة الاجتماعية قد تفرض على الإنسان أقنعة تتجاوز أقنعة المسرح وتتفوق عليها كماً وكيفاً، فلا أحد يعيش في مجتمع من المجتمعات دون عدد من الأقنعة التي يحاول من خلالها أن يواجه مواقف الحياة المختلفة، سواء أكانت هذه الأقنعة ظاهرة أو متخفية، وسواء أكانت عن يقين أو تصنع، فمواضعات الحياة الاجتماعية تفرض على الإنسان طغيانها الذي يمنعه من الكشف عن مكنونات نفسه بسهولة. ولا ترتبط "لعبة الأقنعة" بمجتمع دون آخر، بل إن نسبتها تتفاوت في المساحة الزمنية للاستخدام، فكلما كان المجتمع على درجة من التقدم الحضاري وجدنا أن المدة الزمنية للاحتياج للتقنع أمام الآخرين تقل، بينما تزداد مع تراجع مجتمعه في سلم الحضارة، وما أقصده بالتحضر أو التراجع الحضاري ليس الوصف المرتبط بالقدح أو المدح، بل إن المقصود المحدد هنا أن يكون المجتمع منتمياً لحياة المدينة والمدنية الحديثة، بما فيها من احترام للخصوصية الفردية وللرأي الآخر ولمساحة الاختلاف بين الأفراد.
أما المجتمعات التي تتراجع فيها نسبة التحضر فهي المجتمعات ذات البنية التقليدية التي تفرض على أفرادها "روح الجماعة" في كل ما يفعلون، وفي كل ما يأتون به من تصرفات، وتحاسبهم على أقل هفوة يقعون فيها؛ ومن هنا يتولد الصراع بين ما يتمنى المرء أن يعبر عنه من آراء وما يريد أن يأتيه من أفعال فيحتاج إلى مداورة هذا ومجاراة ذاك، وتتفاوت درجات التعبير عن ذاته لديه؛ حتى يصل إلى درجة معقولة من الأمان الاجتماعي الذي يقيه التعرض للاتهامات أو التشنيعات، فالانتماء إلى الجماعة ونيل رضاها فطرة إنسانية يسعى الإنسان في كل المجتمعات لإشباعها وتحقيقها.
 ونجد الكاتب المسرحي سعد الله ونوس قد جمع بين النص المسرحي والأقنعة الاجتماعية ببراعة واضحة، فيتحول المسرح من مكان لارتداء الأقنعة التي يتطلبها الدور، كما كان يحدث قديماً، إلى ساحة لكشف الأقنعة والمصارحة عن دواخل النفوس وعُقد النفس، حيث يعري الكاتب تلك الانتكاسات النفسية والاجتماعية في صورة حالات إنسانية قلقة، حالات معذبة في موقفها من الحياة، واختياراتها تجاه مواقفها، وهي ذاتها الحالات الإنسانية التي نراها حولنا، والتي نكون جزءاً منها، ولكن فعاليات الحياة اليومية تخفي عنا بؤرة التركيز التي يحققها النص المسرحي، كما تخفي عنا هذه الحالة، عندما تختلج الصراعات في أنفسنا، فننشغل بتلك الفعاليات اليومية دون أن نحسم أمورنا.
فأتى النص المسرحي "طقوس الإشارات والتحولات" لسعد الله ونوس ليكشف لنا، في بؤرة الأحداث، ما ننشغل عنه من صراع داخلي في نفوسنا، وما يصطرع في نفوس الآخرين دون أن يفصحوا لنا عنه، مرتكزاً على التاريخ في زوايا أحداثه المخفية وغير المؤثرة، لكن الكاتب يعيد إحياء الحدث البسيط ليجعل منه متناً تاريخياً جلياً، بعد أن كان هامشاً بسيطاً مهملاً وغير مؤثر، فيعمد إلى حدث تاريخي عابر، لم يكن مؤثراً أو مهماً في مجرى أحداث زمنه، بل كان حدثاً يومياً عادياً، وهو إلقاء القبض على كبير الأشراف في دمشق منتصف القرن التاسع عشر، ليتخذ الكاتب من هذا الحدث مرتكزاً للغوص في حالتنا الإنسانية الراهنة.
فـ "وردة" التي تعمل في مجال استمالة الرجال، وتعقد لهم ليالي الطرب والسهر والأنس يُقبض عليها مع نقيب الأشراف، برغبة من قائد الدرك في تقوية شوكته، وفرض هيبته وسطوته على الجميع، فيدخل على نقيب الأشراف، أثناء سهرته مع "وردة"، ليلقي القبض عليهما بتهمة "التهتك والرذيلة"، وهنا تظهر حفيظة طبقة "الأشراف" في رفض هذا التصرف الذي يقلل من هيبتهم أمام العامة، وخاصة أن قائد الدرك قام بالتشنيع على نقيب الأشراف أثناء إلقاء القبض عليه، أما المفارقة فقد اتضحت في "المفتي" الذي وجد في ذلك إذلالاً للطبقة التي ينتمي إليها مع نقيب الأشراف، فعندما يأتيه الخبر يستنكر ما حدث، على الرغم من كراهيته لنقيب الأشراف وخلافة الدائم معه، حيث يرى فيما حدث فرصة للعامة كي يتدخلوا في حياة طبقته التي يجب أن تتكافل فيما بينها لموجهة طبقة العامة والبسطاء، وألا يُعطوا الفرصة للتدخل في مجريات أمور طبقتهم التي تتفوق على عامة الناس.
هذا الحدث التاريخي البسيط استطاع سعد الله ونوس أن يفجر من خلاله عدداً من الإشكالات النفسية التي تعتمل في دخيلة الإنسان دون أن يدرك أبعادها واشتباكاتها مع الوضع الاجتماعي، ودون أن يمتلك القدرة على مصارحة الآخرين بها، بل يخشى أن يصارح بها نفسه، فما يبدو أنه محافظة على "حالة الطبقة" من الناحية الاجتماعية يحمل تحته الكثير من الأهداف الذاتية والرغبات الفردية التي يحاول كل فرد من أفراد المجتمع أن يمررها لمصلحته الخاصة، فيمتلك القدرة على السيطرة واستغلال الآخرين، بما يمتلك من سُلطة. والسلطة إحدى أهم القضايا التي يناقشها النص المسرحي لسعد الله ونوس، حيث يستعرض أشكالاً مختلفة من احتمالاتها، فنجد السلطة الثقافية المتمثلة في المفتي الذي يحاول بشتى الطرق الممكنة السيطرة على العامة، من خلال ما يمتلك من "ميراث رمزي" ينال من خلاله احترام الناس وتقديسهم لشخصيته، بناء على احترام وتقديس الجانب الديني الذي يتقن عرضه واستخدامه مع الناس وقت الحاجة والضرورة، والسلطة السياسية التي يمثلها نقيب الأشراف نفسه عندما لا يدرك "قواعد اللعبة" بشكلها الخفي ومؤامراتها الدنيئة فيقع ضحية سذاجته، وسلطة الشهوة التي تحاول من خلالها "ألماسة" أن تضع الجميع أمام أنفسهم من خلالها، عندما يتكشف لنا كيف يلهث الجميع وراءها في الخفاء، بما فيهم المفتي نفسه، ويلعنونها في الجهر والعلن.
فالمفتي يعترف لها ويعبر عن ملاحقتها له في الفكر والتمني قائلاً: "لا أدري إن كان وسواساً، أو حمقاً، أو جنوناً. منذ التقيتك وصورتك تلاحقني. إنك قلق في الفؤاد، واضطراب في الروح. لا أدري ماذا أقول.. ولكن أرجو أن تعقلي، وأن تقبلي عرضي".(1) وكان عرضه هو الزواج بها، على الرغم من لعنته الدائمة لها أمام الآخرين!
ولكن ذلك لا يؤجل رغبة "وردة" في تحدي كل تلك السُّلطات المحيطة بها من كل اتجاه، فتسير في طريق "الرذيلة"، بالمفهوم الاجتماعي، وهي في الحقيقة تسير في طريق الصدق، بمفهومها الخاص، أو بمفهوم الكاتب الذي اتخذ من "وردة" وسيلة لكشف الأقنعة التي يتقنع بها الجميع، وكانت هي الخيط الذي يشد الشخصيات المختلفة لدائرة الكشف والمصارحة، فوردة لم تخدم نفسها كشخصية في الواقع الاجتماعي، حيث أصابتها اللعنة من المجتمع، بل خدمت الكاتب المسرحي باعتبارها الشخصية المسرحية التي كانت عِماد العمل المسرحي في طرح الفكرة التي أرادها الكاتب متفجرة بطاقة هائلة من المصارحة بعد كثير من الكبت والمعاناة.  
وتأتي جُمل سعد الله ونوس المسرحية كالطلقة التي تخرج من مكمنها متجهة صوب الهدف المقصود فتصل له دون خطأ أو انحراف عن تأدية هدفها، وتتراوح بين الإيجاز والإطالة، وتأتي الإطالة في مواضع تكون مطلوبة فيها تماماً لتحقيق الجانب الفكري والشعوري للشخصية، ومن ذلك قول ألماسة: "أول المقامات في رحلتي هو أن أرمي وراء ظهري معاييركم. ينبغي أن أتحلل من أحكامكم، ونعوتكم، ووصاياكم كي أصل إلى نفسي. ينبغي أن أتجاوز خطر الانتهاك كي ألتقي جسدي، وأتعرف عليه. صنعتم مني عورة هشة يمكن أن تنتهكها الكلمة والنظرة واللفتة. وجعلتم دأبكم انتهاك هذه العورة، فصرنا جميعاً زواحف تتناهش في مستنقع من الأكاذيب والمظاهر والقيود. وأنا شيخ قاسم قررت أن أخرج من المستنقع النتن، وأصير بحراً لا ينتن". (2)
أما الفكرة فإنها تأتي لدى ونّوس في الأولوية، وخاصة في المسرحية موضوع التناول، لكنها (الفكرة) لا تجعل الكاتب يفقد اهتمامه بالجملة المسرحية المصاغة بإتقان يجعلها ثوباً ملائماً لفكرة قوية تتناسب معها، إضافة إلى البنية المسرحية المعتمدة على الحدث التاريخي مع الانطلاق إلى الهم الاجتماعي المعاصر، بل إلى الشأن الإنساني العام، كل ذلك في إطار بناء مسرحي متماسك يسيطر الكاتب على مفاصله ومنعطفاته، مشكلاً لوحة مسرحية مكتملة الأبعاد والخطوط والأجزاء، مع الميل إلى النمط المسرحي الكلاسيكي المناسب للموضوع، دون كسر الحائط الرابع (كما فعل ونوس نفسه في مسرحية "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" مثلاً).
  وفي المحصلة النهائية نجد المسرحية في الغالب تنقل "طقوسها" للمتلقي الذي لا يمكن أن يتجاهل كثيراً من إشارات وتحولات النفس البشرية، حيث لا يمكن للقارئ، بعد قراءة النص المسرحي أو الانتهاء من مشاهدة العرض المسرحي "طقوس الإشارات والتحولات"، أن ينسى العبارات المسرحية المعبرة عن حالة القلق الأنطولوجي (الوجودي) للشخصيات، وخاصة وردة التي تجردت من اسمها القديم، رمزاً للتخلص من كل قيود الماضي، وأسمت نفسها "ألماسة"، ويأتي الرمز المسرحي عند ونوس ليكون مشتبكاً مع دراما المشهد المسرحي، فتُقتل ألماسة عندما يجمع كلُّ الناس في المجتمع أنها تهدد وجودهم وسلامهم الاجتماعي المخادع، عندما رأوا أنهم إذا تركوها فإنهم يحتاجون لنوع آخر من الحياة القائمة على الصراحة والصدق، وهي نوعية من الحياة لم يتعودوا عليها، وهي حياة، كذلك، تهدد الكثير من المصالح والارتباطات التي تأسست على حياة الكذب والرياء والخداع، وعند ذلك يسجل الكاتب كلمته على لسان ألماسة عند قتلها، ولا يجعل تضحيتها بحياتها تذهب هدراً فتقول لقاتلها: "أنا يا صفوان حكاية، والحكاية لا تُقتل. أنا وسواس وشوق وغواية، والخناجر لا تستطيع أن تقتل الوسواس والشوق والغواية"(3).
*سعد الله ونوس ـ طقوس الإشارات والتحولات ـ دار الآداب ـ بيروت ـ 1998.
(1) طقوس الإشارات والتحولات صـ 102.
(2) نفسه صـ 101.
(3) نفسه صـ 150.
يمكن تحميل نص المسرحية من الوصلة التالية:

      

الأربعاء، 24 أغسطس 2011

قـوة المعرفة

محمد إسماعيل اللباني
  لماذا نشعر بالخوف من ارتياد الأماكن الجديدة أو مقابلة أناس جدد؟ أو على الأقل، لماذا نحس بالتهيب والتوجس من ملاقاة أي جديد مهما كان نوعه؟.. هل معرفتنا بالأماكن والأشخاص والأشياء تمنحنا قوة من نوع ما؟ هل التعود يحمينا من قسوة المواجهة مع الأشياء الجديدة؟
  المعرفة قوة، والجهل ضعف.. فمعرفتنا بشيء تجعلنا لا نخاف مواجهته بقدر مبالغ فيه، مهما كانت قوته، ومهما كان مهدداً لشيء متصل بوجودنا ومعيشتنا، وجهلنا بشيء آخر يجبرنا على التوجس منه، مهما كان في طبيعة مكوناته الأساسية غير ضار لنا أو لا يمثل خطراً علينا من نوع ما، بل قد يكون مفيداً لنا في بعض الأحيان أن نتعرف مكوناته.
  الإنسان مفطور على التلاؤم والألفة ويحب التعود على الأشياء والطمأنينة لها، ووسيلته لتحقيق ذلك هي المعرفة، فالمعرفة أداة نستطيع بها أن نقتحم المجهول، ونعرف خبايا الأشياء والناس، ولكننا قليلاً ما نمتلك القدرة الملائمة على استغلال المعرفة، أو بمعنى أدق، لا نجد في أنفسنا الطاقة الكافية للوصول إلى المعرفة التي تزيل حجب الجهل، وتبعد عنا أشباح المجهول.
  فلا أحد يحب الجهل، ولكن لا يمتلك الجميع القدرة للسعي من أجل القضاء عليه، فبعضنا ينتظر أن تأتيه المعرفة وهو جالس في مكانه، وبعضنا يحب من يقدم له المعرفة جاهزة دون أن يبذل مجهوداً يذكر، ولكن القليل منا مَن يقتحم أهوال النفس التي تشده للكسل ويتسامى إلى مراتب الباحثين عن المعرفة، أو المتطلعين إلى الحقيقة.
  المعرفة ثروة نستخدمها وقتما نشاء، فنحصل من خلالها على قتل الخوف من المجهول، أو التبصر الواعي بما يدور حولنا، أو النظر العميق لطبائع الشخصيات وأخلاقيات الناس، أو نستثمرها في تحصيل منافع مادية نحتاج لها في حياتنا. وثورة المعلومات التي أطاحت بكل الثورات السابقة عليها، سواء أكانت الثورة الزراعية أو الثورة الصناعية، استطاعت أن تُحدث نقلة حضارية واسعة في خلال عدد محدود من السنوات.. لماذا؟ لأنها ثورة المعرفة، أي ثورة العلم، وثورة الوعي؛ لذلك فقد ظهرت مصطلحات تصف عصرنا بملامح هذه الثورة المعلوماتية فيطلق على المجتمعات التي تنتج المعلومات "مجتمعات المعرفة" وهي المجتمعات التي تقود عصرنا الحاضر، وهي التي من المنتظر أن تسيطر على مجتمعات المستقبل، فحتى مجتمعات القوة العسكرية لم تعد تمثل قيمة إن لم تكن هذه القوة قائمة على المعرفة (بمعناها المعلوماتي والتقني والتطبيقي والتكنولوجي).
  لكن ما أغلب ظواهر استخدام المعرفة في مجتمعاتنا، وخاصة في وسائل الإعلام؟ إنها المعرفة التي تقوم على السرعة والتعجل والقشور، فالمسابقات التي تزدحم بها الفضائيات تقدم المعلومات التافهة بدأب وإصرار، والمتربعون على قمة الهرم المعرفي في شتى المجالات: الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية يسعون إلى إيصال المعرفة القائمة على الوهم أكثر منها معرفة قائمة على الوعي، فكل من امتلك منبراً إعلامياً يخاطب الجماهير من خلاله يحاول بشتى الطرق الممكنة أن يثبت نقطتين في غاية الأهمية بالنسية له: النقطة الأولى، أن يثبت للناس أنه الأعلم والأشهر والأقدر من غيره على معالجة كل ما يطرح عليه من أسئلة. والنقطة الثانية، أن يعرض رأيه في شكل حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل ولا تتحمل المناقشة. والجالسون أمام القنوات الفضائية يشتد إعجابهم بمن تتوافر لديه القدرة على توكيد هاتين النقطتين، على الرغم من أنه بسلوكه هذا يكون ضد العلم وضد المعرفة، فهم جالسون في أماكنهم لا يريدون أن ينشغلوا بالتفكير بين آراء مختلفة فيعجبهم من يعرض رأيه بالقوة الكاملة ودون أن يسمح لغيره بالاختلاف في الرأي، وكل فرد من المشاهدين له "خريطة" مشاهدة محددة لا يريد أن يشتت نفسه في غيرها، ولا يسعفه الوقت لمتابعة مئات القنوات، بل لم يتدرب على التعامل مع مختلف مصادر المعرفة (من جرائد ومجلات وكتب وشبكة معلومات وحياة يومية) فيُعجب بمن تصادف أن يكون المتحدث واقعاً في محيط خريطته، فيتيه إعجاباً به ولا يسمح لنفسه بالتفكير في رأي مخالف، فيفقد القدرة على التفكير الذاتي من ناحية، كما يفقد القدرة على الموازنة بين مختلف الآراء من ناحية أخرى.
  وبناء على ممارساتنا في مجال تلقي المعرفة وتناقلها، هل نحن بحق نتعامل مع المعرفة على أساس أنها مصدر قوة؟ أم نتسلى بها ونلوكها في أفواهنا لإضاعة الوقت، مثل أحاديث النميمة، دون أن نقدِّر قيمة الكلمة أو مسؤولية المعلومة أو خطورة المعرفة؟!


   

الاثنين، 22 أغسطس 2011

التعاطف الإنساني

محمد إسماعيل اللباني
أن نتعاطف مع إنسان معناه أن نحاول مسح دمعة سقطت من عينيه أمام مشكلات الحياة، أو نشعره أننا معه في مواجهته لصعوبات الظروف، أو نحاول مساعدته بما نستطيع، التعاطف من العاطفة أي الحس والشعور، وللمشاعر دور هام في عقد الروابط والصلات بين أفراد المجتمع، والتعاطف لا ينفع أو يجدي إذا لم يقم على إحساس صادق، وشعور حقيقي، فالإنسان الذي يتصنع التعاطف مع الآخرين دون أن ينبع إحساسه من أعماق ذاته، لابد أن ينكشف أمره للآخرين، ويعرفون، عاجلاً أو آجلاً، أنه يتصنع في مشاعره؛ لتحقيق هدف أو للبحث عن مغنم شخصي.
ونستطيع أن نفرق بين نوعين من التعاطف، نراهما في حياتنا: التعاطف الجوهري، والتعاطف الانفعالي، الأول نابع من عاطفة حقيقية تدعمها حالة التفاهم العقلي، والفهم السليم المعتدل دون مبالغة أو تهوين، أما النوع الثاني فقد يكون ناتجاً من نواتج سوء الفهم، أو الانفعال الطارئ دون ركائز أساسية يعتمد عليها للاستمرار والتطور.
التعاطف الإنساني الجوهري حالة تتكون في النفس المرهفة على مراحل الحياة المتعددة، وتتبلور بالتربية والثقافة وبمختلف الوسائل المعينة أو المثبطة لها، أما التعاطف الإنساني الانفعالي فهو حالة ترتبط بطبيعة الإنسان شديد التأثر شديد النسيان، ففي الحالة الأولى يكون الشعور بالتعاطف الإنساني تجاه الآخرين وليد فترات زمنية متعددة من عمر الإنسان، بعد طبيعة تكوينه الأساسية، ويأتي الفهم العقلي لكي يدعم هذه الطاقة الشعورية الرفيعة، وكلما زادت حدة الفهم العقلي زادت حدة وقوة هذا الشعور؛ وذلك لأنه حالة من الموقف الإنساني المؤسس على قواعد قوية وراسخة من الفهم العام للطبيعة البشرية.
أما حالة التعاطف الشعوري الطارئة فهي، غالباً، مرافقة للتواضع في القدرات العقلية ومحدودية الفهم العميق، وتصيب صاحبها بحالة من الانفعال الشديد الذي يندفع في طريقه جارفاً كل ما عداه، وهو انفعال في غاية القوة والشدة، ولكنه سريع الزوال، فما أن ينتهي الموقف الانفعالي الذي ولَّد تلك الحالة حتى لا يلبث صاحبها أن يكون في حالة أخرى يعجب الإنسان لها، ولكنها، في الحقيقة، منسجمة تماماً مع مجمل الموقف العام الذي عايشه هذا الشخص، صاحب التعاطف الانفعالي، ومتناسبة تماماً مع مكونات شخصيته.
فعندما يقف الصديق أمام صديقه، بالحق أو بالباطل، ينحاز إلى الجانب الانفعالي، لأنه إذا كان متعاطفاً معه على أساس سليم لرده عن خطئه الذي يوصله إلى المهالك، على المدى البعيد، وإذا تعاطف الأب مع ابنه وكان حريصاً عليه ألزمة باتباع الضوابط السلوكية القويمة، مهما كانت صعوبتها على نفسه، حرصاً على تكوينه وتهيئته للحياة بشكل سليم.  
وقد رأى أحد الفلاسفة "نيتشه" في التعاطف الإنساني بين أفراد المجتمع نوعاً من أنواع الضعف، من ناحية المتعاطِف والمتعاطَف معه، ويرى أن الإنسان الذي يريد التعاطف يتسول المشاعر من الآخرين، والمانح له يشجعه على هذا، ولعل هذا الحكم ينطبق على فئة من الناس، هؤلاء الذين يحاولون أن يثيروا عاطفة الآخرين، دون أدنى أساس، لكي يستدروا تعاطفهم بشكل زائف، ونجدهم يفرحون بمن يقدم لهم التعاطف الزائف كذلك، فتكون النتيجة استنزاف في المشاعر والوقت، إضافة إلى إضاعة الفرصة على المشاعر الصادقة والأحاسيس الحقيقية.
أما ما يفيد حياتنا الاجتماعية فهو التعاطف الذي نؤسسه بناء على مراعاتنا لتاريخ الشخص الذي نتعامل معه، فعندما يقع في خطأ ما لا نمارس التشفي فيه، بل نتأكد مما حدث، ونحاول أن نتغاضى عن خطئه وسط كثير مما فعله من أشياء نعتقد أنها صحيحة، فكلنا بشر وجميعنا معرضون للخطأ، ومن تتعاطف معه اليوم تُزيد احتمال تعاطفه معك غداً.                                                                                                                                       

الخميس، 18 أغسطس 2011

اندهش.. ولكن!

محمد إسماعيل اللباني
  اندهش يا صديقي.. ولا تترك العادة تمنعك من التعجب والاندهاش.. تعجب من السخف والادعاء وفَقْد الأخلاق.. اندهش بقدر ما يمكنك حتى تحافظ على إنسانيتك ونقاء سريرتك، لكن احذر أن تظل مندهشاً طوال عمرك من البديهيات والمسلمات، فالدهشة أنواع: دهشة الأخلاقيين، ودهشة الساذجين، فإلى أيهما تميل؟ وأيهما تتخذها سلوكاً لك في الحياة؟ هل تختار دهشة الذين يخفقون في فهم الحياة وتظل تصدمهم بحقائقها المؤلمة؟ أم تختار دهشة الأخلاقيين الذين لا يتوقفون عن الحفاظ على سموهم الأخلاقي ورفعتهم السلوكية، وترفعهم عن التفاهات؟
  فالدهشة سلوك إنساني يأتي كرد فعل على موقف عقلي لا تتفق معه، أو موقف عاطفي لا تستريح له، فهي رد فعل طبيعي على ما يتفق مع فكرك وإحساسك. أما مستويات الدهشة فتتعدد بتعدد طرق النظر والرؤية، فهناك الدهشة الأولية التي تلازم الإنسان طوال مراحل عمره المختلفة، وتبدأ منذ مراحل الطفولة الأولى، فالطفل يعبر عن دهشته باكتشاف حقيقة معينة كامتداد الكون واتساعه، بما يناقض اعتقاده البدائي بمحدودية العالم الذي يعيش فيه، وتظل ملازمة للإنسان عندما يكتشف حقيقة من حقائق الحياة التي كانت غائبة عنه، وأتت ضد ما كان يعتقد أنه صحيح، كالصديق الذي يكتشف صفة في صديقة بناء على سلوك صدر منه، وهي صفة لم يكن يظن أنه موجودة في هذا الصديق، بل كان يستبعد وجودها بشكل مطلق.
  وتأتي الدهشة الناتجة عن الحساسية لتكون ألماً دائماً للإنسان، فالفرد الذي يطوعه التعود، وتغمره العادة بتكرارها يستطيع أن يتأقلم مع أشد الأمور سخافة في الحياة مع مرور الوقت، أما مَن يمتلك طاقة من الشعور والحساسية، وهو الذي لا يستجيب لحكم لعادة في هذه الأمور فإنه يظل معذباً باندهاشه من سلوكيات بشرية لا تروق له، أو من واقع مادي غير مريح، فالأول قد يرى على باب بيته كومة من القاذورات فيندهش لها، لكنه يتعود عليها مع مرور الوقت، أما الآخر فإنه، لفرط حساسيته، لا يستجيب لحكم العادة، ويظل رافضاً لهذا المنظر الذي يؤذي مشاعره من خلال النظر له يومياً، وكذلك يظل مندهشاً من عادات بشرية يرى أنها خطأ، ولا يستطيع أن يتأقلم معها، أو يتعود عليها.
  الدهشة تعبير عن أنك لا زلت حياً، وأنك تشعر بما حولك، وفي هذه الحالة إن فقدت الاندهاش فقد فقدت الحياة. فهي انفعال يدل على أنك لا زلت في حالة من السمو الأخلاقي والحساسية الإنسانية التي تمنعك من التورط في "التعود" على الكذب والخداع والنفاق والغش والتزوير. أما الدهشة "الساذجة" فهي أن يظل الإنسان دائماً في حالة من التعجب والاندهاش من حقائق أساسية في الحياة كحقيقة أننا كلنا بشر لنا مطامعنا الخاصة في السعي والعمل، ولنا تطلعاتنا المؤثرة على آرائنا ولدى كل واحد فينا ما يكفي ليصبح رأيه الصادر عنه موضع أخذ ورد، وموضع تساؤل وشك؛ لأنه مبني على أساس الظروف الفردية لصاحب الرأي الذي أنتجها، عندما نظل نندهش من حقيقة كهذه، وكثير منا يظل طوال عمره مندهشاً من ذلك، فمعناه أننا لم نتعلم من الحياة شيئاً، ولم نستفد منها في ترقية أفهامنا. وهي من أخطر أنواع الدهشة وأشدها تأثيراً على النضج العقلي والشعوري المطلوب في الحياة، ذلك النضح الذي يجب أن يتحلى به من يواجه الحياة وصعوباتها.
  ومن العجب أننا كثيراً ما نجد حولنا نماذج من الناس الذين يجمعون بين التعود، أي الاستجابة التدريجية لما لا يحبون أو يقتنعون مع مرور الوقت، إضافة إلى استمرارهم في الاندهاش من حقائق الحياة الأولية!!.
  أما الدهشة التي أدعوك إليها فهي التي تحفظ كيانك من الانجراف نحو هاوية السقوط الأخلاقي، فاحذر أن تتعود على عدم الوفاء بالوعد، واحذر أن تصيبك عدوى الكذب المنتشرة في كل مكان حولك، وإياك أن تستجيب لدعوى أن الجميع يفعل كذا، فلماذا لا أفعل مثلهم؟!.. فهي بداية السقوط في الهاوية!!
ellebany@hotmail.com