الوقت والحنين للبطء
محمد إسماعيل اللباني
في روايته المتميزة "البطء" يناقش
ميلان كونديرا موقف الإنسان من الوقت، وكيف تحول إنسان العصر الحديث إلى إنسان يلتهم
الوقت دون رحمة أو تمهل، والوقت أيضاً يلتهمه دون توقف، ودون وعي منه إلا بعد فوات
الأوان، فبطل الرواية يتحسر على أيام "البطء" و"التمهل" في
"تذوق" أنشطة الحياة المختلفة، فنجده يقول: "لمَ اختفت متعة البطء؟
آه، أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى، هؤلاء
المتشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى وينامون تحت أجمل نجمة؟ هل اختفوا
باختفاء الدروب الريفية والحقول والغابات والطبيعة؟ يُعرّف أحد الأمثال الشعبية
التشيكية كسلهم مجازاً قائلاً: إنهم يتأملون نوافذ الله. ومن يتأمل نوافذ الله لا
يسأم أبداً بل يكون سعيداً".
فمن المؤكد أن إيقاع الحياة وتسارع فعالياتها
تختلف من جيل إلى جيل، وتميل بشكل مطرد إلى التسارع وتبتعد عن التمهل. نلاحظ ذلك
في حوارات الآباء مع أبنائهم، وحوارات الأجداد مع أحفادهم، فكل طرف منهما على
النقيض من الطرف الآخر في النظر للوقت، من حيث سرعة الإنجاز وطريقة تلبية الاحاجات
المختلفة من خلال الوقت المخصص لها.
وفي حقيقة الأمر، وبغض النظر عن اختلافات
الأجيال في النظر للوقت، فإن له أهمية خاصة في حياتنا الحديثة، فبه يستطيع الإنسان
أن يقضي متطلباته، ومن خلاله يعايش متطلبات الزمن الحالي، الذي قطع فيه الإنسان
أماداً طويلة في سرعة إيقاع الحياة، فما كان يتم منذ ثلاثين عاماً مثلاً في شهر،
أصبح من الممكن إتمامه الآن في عدة ساعات، إن لم يكن في عدة دقائق. فثورة
الاتصالات، وتدفق المعلومات فتحت الطريق أمام الفعالية البشرية لإنجاز الكثير من
الأعمال في وقت قصير.
وعلى الرغم من ذلك فإن مجتمعاتنا العربية لا
تشعر بهذا التسارع بالقدر الكافي، فقد ظلت في نقطة رد الفعل على المنتجات الغربية
التي تصل بالحياة لهذه السرعة، فجميع الوسائل المعينة على هذا التسارع يتم قبولها
بشيء من الخوف والتوجس، ثم بالتقبل البطيء، ثم في النهاية بالقبول المشوب بسوء
الاستخدام، فالسيارة التي يجب الحفاظ فيها على قدر من السرعة تسمح بالأمان والحفاظ
على حياة الإنسان، وجدنا الإسراف في استنزاف سرعتها بالشكل الذي حولها إلى قنبلة
موقوتة تسير على الطريق، والمفارقة العجيبة أن من يتسابقون على الطرقات ويستغلون
الطاقة القصوى لسياراتهم هم أنفسهم الذين يتفننون في إضاعة الوقت بشتى الطرق
والوسائل! أما في الأمم التي تحافظ على الوقت ولا تهدره نجد الحفاظ على الأرواح
أكثر غلبة لديهم، فتكون السرعة بالقدر الذي يحفظ الحياة قدر الإماكن ويحافظ على
سلامة الطريق.
نجد أمثلة كثيرة على السرعة غير النافعة في
محيطنا الاجتماعي، فسرعة الحديث أو "التكلم" من الظواهر التي نلاحظها في
مجتمعاتنا، وهي السرعة التي تتولد عنها أخطاء في التعبير، وأخطاء في فهم المتلقي
لما يقال، فيترتب على ذلك سوء في الفهم والتفاهم، ومثال آخر، نجد أن الشعوب
المحافظة على الوقت حريصة على الاستمتاع بوقت الإجازات إلى أقصى درجة ممكنة، أما
الشعوب التي لا تعرف قيمته فإننا نجد أن الرغبة في قضاء الإجازة بالشكل الكامل غير
متوافرة، فيختلط وقت العمل بوقت الإجازة، ويأتي العامل أو الموظف إلى عمله ليضيع
وقته في الشكوى من التعب، بدلاً من إنفاق وقته في إنجاز العمل، وكذلك نجد أن الفصل
بين وقت العمل ووقت "الخصوصيات" والحديث عن الأمور الذاتية أو العائلية من
سمات احترام الوقت، أما من لا يقدرون الوقت فإن الحديث عن العمل يختلط لديهم
بالحديث في الخصوصيات، وخصوصيات الآخرين. أما المفارقة الأوضح في مجتمعاتنا، والتي
تحتاج إلى وقفة خاصة لفهم أبعادها وأسبابها فهي أن الجميع يتحدث عن إضاعة الآخرين
للوقت وعدم تقدير المواعيد أو المحافظة عليها، والسؤال هو: من الذي يهدر الوقت،
إذن، في مجتمعاتنا؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق