الاثنين، 28 أكتوبر 2013


حربائية أم بحث عن الحقيقة
لتغيير الرأي في مجتمعاتنا دلالة سلبية ترتبط بأن الإنسان الذي يغير رأيه في قضية من القضايا، أو يتخذ موقفاً مخالفاً لموقفه السابق من موضوع معين، ما هو إلا إنسان ينقصه "المبدأ". فالمبدأ لدينا يعني الثبات على الموقف دون تبديل أو تعديل، وهو حكم، في واقع الأمر، يرتبط بمجريات العلاقات الاجتماعية المؤدية إلى ميلاد وتربية وتسمين الشخصية الحربائية لدينا، ففي مجتمعاتنا نجد هذه الشخصية التي تتلون بحسب الظروف، وتتغير بحسب المواقف، لا تثبت على حال، ولا تستطيع أن تأخذ منها حكماً على شيء، بل إن ما يحكم حركة حياتها أن تسير الأمور، وفقط، بغض النظر عن المستوى الكيفي الذي تسير به، ما يهمه هو أن يقضي يومه بتحقيق المكاسب وهذه المكاسب لا يعرفها إلا إذا كانت، حصراً، مكاسب مادية، لا يهمه من العالم حوله سوى ألا يصطدم، فهو يؤثر السلامة المؤدية إلى الخمول، يعمل، في مظهره العام، ولا يعمل في الجوهر والحقيقة، يذهب في ترويج ذاته، ويقدم جميع الأدلة والبراهين على امتلائه بالأفكار والأشياء والإنجازات، وهو، في الحقيقة، خالي الوفاض إلا من القدرة على "التسويق" وأنت، في النهاية" في حيرة من أمرك للإمساك به فلا تستطيع، فليست له أخطاء تركها، أو إنجازات حققها.
هذا الإنسان المتسم بهذه الصفات يختلف عمن يأخذ الحياة بالجدية اللازمة فيصل إلى قناعة اليوم تختلف عن قناعة الأمس، ولأنه دائم البحث عن الحقيقة يصل إلى حقيقة جديدة قد يستكين إليها مؤقتاً أفضل لديه من الحقيقة التي اقتنع بها مسبقاً، ولأنه أخلاقي في تعامله مع ذاته فإنه يعتنق الفكرة التي رأى فيها إمكانية الصواب عن سابقتها ولكي يكون صادقاً في محيطه الإنساني فإنه يفصح عن قناعاته الجديدة لمن يحيط به من الناس، وهنا تأتي مرحلة الالتباس، فعند التلقي تختلف طريقته بحسب فهم كل إنسان من المتلقين، بحسب أخلاقياته وفكره ومستواه العقلي، لنراه، عند القليلين، باحثاً عن الحقيقة، وعند الأكثرية متلوناً بحسب المصلحة، وتغير الأحوال، وهؤلاء الذين يرون فيه هذه الرؤية الأخيرة لا يستطيعون أن يروا غيرها، لأسباب تعود إلى طبيعة تكوينهم، وأسباب ترجع إلى المستوى الأخلاقي السائد في المجتمع؛ لأنهم لا يستطيعون تفسير شيء إلا من خلال المصلحة الشخصية، وتحديداً، المصلحة المادية، فما الفرق، إذن، بين الحربائية والبحث عن الحقيقة؟     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق