الجمعة، 15 نوفمبر 2013


خيانة المثقف بين سعيد وجرامشي
يحيل عنوان كتاب إدوارد سعيد (خيانة المثقفين) إلى العنوان الضد في عمل إدوارد سعيد الفكري، والذي ارتكز عليه كثيراً في تحليلاته لمختلف القضايا الثقافية والفكرية في المجتمع الإنساني بشكل عام، وفي المجتمع العربي بشكل خاص، إنه عنوان (المثقف العضوي). هذا العنوان الفكري المتفاعل مع قضايا المجتمع الذي ابتدعه الفيلسوف الإيطالي والمناضل الماركسي أنطونيو جرامشي، الذي ولد عام 1891، وتوفي تحت آلام التعذيب في سجون موسوليني عام 1937، مدافعاً عن قضايا الإنسان وحقوقه العادلة في الحياة والحرية والكرامة. http://www.4shared.com/office/_grSTtwY/_online.htm، متحركاً في المجتمع، مندمجاً بقضاياه. لم يجد جرامشي، في سبيل بحثه عن حقوق العمال والطبقة المسحوقة في المجتمع، فائدة لهذا المجتمع من مثقف يراكم معرفة نظرية أو تنظيرية منفصلاً عن الحياة وعن المجتمع، بل وجد أن المثقف الحقيقي هو المثقف العضوي الذي يحيا بقضايا الناس وتفاعله معها، هو المثقف الذي يعايش معاناة المجتمع، وطبقاته العاملة، وفئاته المهمشة. كانت فلسفة "البراكسيس" هي الجماع التنظيري لعمل جرامشي، وهي التي تعني الممارسة العملية للفكر النظري، وهي لا تعني الفصل المتعسف أو الساذج بين "النظري" و"العملي"، لكنها تشير إلى الفهم العميق لجدلية العلاقة المتبادلة بين التنظير والممارسة، في سبيل تكوين وعي أعمق بالواقع من ناحية وبالفلسفة والتنظير من ناحية أخرى. هي التعامل المباشر مع الواقع قبل التحليق في خيالات التنظير التي تأتي بالكثير من السلبيات، أقلها جعل المثقف يعيش في عالمه المنفصل.
كانت المعادلة الصعبة في حياة إدوارد سعيد هي أن يجمع بين مفهوم "المثقف العضوي" الجرامشية الماركسية في سياقها وفي مفهومها، وثقافته الليبرالية، وقد وجد من اندماجه في قضايا مجتمعه الأصلي (فلسطين) مرتكزاً لتحقيق كيانه في الممارسة الثقافية كمثقف عضوي، أما الجانب الآخر من ممارساته فقد اعتمدت على الخروج من أسوار الجامعة، بما كان ينظر لها على أنها تعمل على التواطؤ مع الأنظمة السياسية والتبرير لها، في أشد الأنظمة ديمقراطية وهي أمريكا، وأن الوسيلة الوحيدة للخروج بالجامعة من هذا الحصار الذي تعمل السلطات السياسية على تقويته، من خلال سياسة المنع والمنح، هو أن يتحول المثقف/ الأستاذ الجامعي إلى المجتمع، أن ينفتح على فضاء الوجود الإنساني للدفاع عن المضطهدين والمهمشين.
في إطار ما سبق كتب إدوارد سعيد كتابه الأشهر الاستشراق   http://www.4shared.com/office/sRgn7MoK/__-_.htm، باحثاً في أغوار التاريخ والثقافة والأبنية الفكرية المختلفة عن جوانب صنع صورة الآخر من خلال القهر الاستعماري والسيطرة بصورها المختلفة من خلال الفكر والثقافة وصنع الذهنية المستعلية/ الغربية، والذهنية الخانعة/ الشرقية. وقد أثار الكتاب الكثير من المناقشات على المستوى العربي، بعد أن أثار الكثير من الجدل والحوار وقدمت حوله الدراسات على المستوى العالمي.
وبناء على ما سبق نستطيع أن ننظر في كتاباته التي تتحدث عن "خيانة المثقفين"، والتي يبدو أن كتابنا الحالي يجمع بين دفتيه المقالات التي كتبت فيها، فهي خيانة المثقف لقضايا المجتمع الذي يعيش فيه، خيانة الاندماج الفعلي لحرية الإنسان وحقوقه.
نستطيع أن ننظر مقارنين بين مفهوم "المثقف العضوي" و"المثقف الخائن" في تداعيات وتبعات الثورات العربية، حيث نجد أن طليعة المثقفين من صحفيين وكتّــاب وأصحاب رأي ورؤساء وأعضاء أحزاب هم أول من يتسابق للحوار مع الأنظمة التي أتخمت من كثرة امتصاص دماء الناس وثرواتهم، بينما الشباب الفاعلين والمؤثرين والداعين إلى الثورة، والذين دفعوا دماءهم في سبيلها هم من يصرون على تغيير "راديكالي" شامل يأخذ كل عفونات الأنظمة القديمة في طريقه، مستعدين في سبيل دعوتهم وإصرارهم عليها دفع المزيد من الدماء والتضحيات.. فهل نحن بإزاء تبلور وظهور مثقف جديد في مجتمعاتنا العربية يظهر للمرة الأولى في تاريخها هو المثقف العضوي؟.. نستطيع أن نجيب بنعم واثقين من حكمنا بناء على ما حدث في العام الماضي وإلى الآن، لكننا لا يمكن أن نطمئن للواقع الفعلي لتحول المثقف العضوي إلى "جيل" مؤثر في مجمل تاريخنا إلا عندما يتلاشى "المثقف الخائن" الساعي إلى فتات السلطة وإغراءاتها، سواء بإجراءات ثورية عندما يمتلك الثوار القوة الكافية، أو بمراجعة شاملة للضمير الثقافي لدى الإنتلجنسيا العربية المدعية، وهذا مستبعد.. لكن الرهان على الزمان وفعالياته مع متغيرات ما تموج به مجتمعاتنا من فعاليات إيجابية لأجيال جديدة أصبحت تفرض إرادتها على السلطتين: السلطة الخشنة (سلطة السلاح، بأوهام تمسك القائمين عليها بوهم الانقلاب المنقرض) والسلطة الناعمة (سلطة الأبنية الثقافية التي في طريقها للانهيار).

الاثنين، 28 أكتوبر 2013


الوقت والحنين للبطء
محمد إسماعيل اللباني
  في روايته المتميزة "البطء" يناقش ميلان كونديرا موقف الإنسان من الوقت، وكيف تحول إنسان العصر الحديث إلى إنسان يلتهم الوقت دون رحمة أو تمهل، والوقت أيضاً يلتهمه دون توقف، ودون وعي منه إلا بعد فوات الأوان، فبطل الرواية يتحسر على أيام "البطء" و"التمهل" في "تذوق" أنشطة الحياة المختلفة، فنجده يقول: "لمَ اختفت متعة البطء؟ آه، أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى، هؤلاء المتشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى وينامون تحت أجمل نجمة؟ هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والحقول والغابات والطبيعة؟ يُعرّف أحد الأمثال الشعبية التشيكية كسلهم مجازاً قائلاً: إنهم يتأملون نوافذ الله. ومن يتأمل نوافذ الله لا يسأم أبداً بل يكون سعيداً".
  فمن المؤكد أن إيقاع الحياة وتسارع فعالياتها تختلف من جيل إلى جيل، وتميل بشكل مطرد إلى التسارع وتبتعد عن التمهل. نلاحظ ذلك في حوارات الآباء مع أبنائهم، وحوارات الأجداد مع أحفادهم، فكل طرف منهما على النقيض من الطرف الآخر في النظر للوقت، من حيث سرعة الإنجاز وطريقة تلبية الاحاجات المختلفة من خلال الوقت المخصص لها.
  وفي حقيقة الأمر، وبغض النظر عن اختلافات الأجيال في النظر للوقت، فإن له أهمية خاصة في حياتنا الحديثة، فبه يستطيع الإنسان أن يقضي متطلباته، ومن خلاله يعايش متطلبات الزمن الحالي، الذي قطع فيه الإنسان أماداً طويلة في سرعة إيقاع الحياة، فما كان يتم منذ ثلاثين عاماً مثلاً في شهر، أصبح من الممكن إتمامه الآن في عدة ساعات، إن لم يكن في عدة دقائق. فثورة الاتصالات، وتدفق المعلومات فتحت الطريق أمام الفعالية البشرية لإنجاز الكثير من الأعمال في وقت قصير.
  وعلى الرغم من ذلك فإن مجتمعاتنا العربية لا تشعر بهذا التسارع بالقدر الكافي، فقد ظلت في نقطة رد الفعل على المنتجات الغربية التي تصل بالحياة لهذه السرعة، فجميع الوسائل المعينة على هذا التسارع يتم قبولها بشيء من الخوف والتوجس، ثم بالتقبل البطيء، ثم في النهاية بالقبول المشوب بسوء الاستخدام، فالسيارة التي يجب الحفاظ فيها على قدر من السرعة تسمح بالأمان والحفاظ على حياة الإنسان، وجدنا الإسراف في استنزاف سرعتها بالشكل الذي حولها إلى قنبلة موقوتة تسير على الطريق، والمفارقة العجيبة أن من يتسابقون على الطرقات ويستغلون الطاقة القصوى لسياراتهم هم أنفسهم الذين يتفننون في إضاعة الوقت بشتى الطرق والوسائل! أما في الأمم التي تحافظ على الوقت ولا تهدره نجد الحفاظ على الأرواح أكثر غلبة لديهم، فتكون السرعة بالقدر الذي يحفظ الحياة قدر الإماكن ويحافظ على سلامة الطريق.
  نجد أمثلة كثيرة على السرعة غير النافعة في محيطنا الاجتماعي، فسرعة الحديث أو "التكلم" من الظواهر التي نلاحظها في مجتمعاتنا، وهي السرعة التي تتولد عنها أخطاء في التعبير، وأخطاء في فهم المتلقي لما يقال، فيترتب على ذلك سوء في الفهم والتفاهم، ومثال آخر، نجد أن الشعوب المحافظة على الوقت حريصة على الاستمتاع بوقت الإجازات إلى أقصى درجة ممكنة، أما الشعوب التي لا تعرف قيمته فإننا نجد أن الرغبة في قضاء الإجازة بالشكل الكامل غير متوافرة، فيختلط وقت العمل بوقت الإجازة، ويأتي العامل أو الموظف إلى عمله ليضيع وقته في الشكوى من التعب، بدلاً من إنفاق وقته في إنجاز العمل، وكذلك نجد أن الفصل بين وقت العمل ووقت "الخصوصيات" والحديث عن الأمور الذاتية أو العائلية من سمات احترام الوقت، أما من لا يقدرون الوقت فإن الحديث عن العمل يختلط لديهم بالحديث في الخصوصيات، وخصوصيات الآخرين. أما المفارقة الأوضح في مجتمعاتنا، والتي تحتاج إلى وقفة خاصة لفهم أبعادها وأسبابها فهي أن الجميع يتحدث عن إضاعة الآخرين للوقت وعدم تقدير المواعيد أو المحافظة عليها، والسؤال هو: من الذي يهدر الوقت، إذن، في مجتمعاتنا؟!  

حربائية أم بحث عن الحقيقة
لتغيير الرأي في مجتمعاتنا دلالة سلبية ترتبط بأن الإنسان الذي يغير رأيه في قضية من القضايا، أو يتخذ موقفاً مخالفاً لموقفه السابق من موضوع معين، ما هو إلا إنسان ينقصه "المبدأ". فالمبدأ لدينا يعني الثبات على الموقف دون تبديل أو تعديل، وهو حكم، في واقع الأمر، يرتبط بمجريات العلاقات الاجتماعية المؤدية إلى ميلاد وتربية وتسمين الشخصية الحربائية لدينا، ففي مجتمعاتنا نجد هذه الشخصية التي تتلون بحسب الظروف، وتتغير بحسب المواقف، لا تثبت على حال، ولا تستطيع أن تأخذ منها حكماً على شيء، بل إن ما يحكم حركة حياتها أن تسير الأمور، وفقط، بغض النظر عن المستوى الكيفي الذي تسير به، ما يهمه هو أن يقضي يومه بتحقيق المكاسب وهذه المكاسب لا يعرفها إلا إذا كانت، حصراً، مكاسب مادية، لا يهمه من العالم حوله سوى ألا يصطدم، فهو يؤثر السلامة المؤدية إلى الخمول، يعمل، في مظهره العام، ولا يعمل في الجوهر والحقيقة، يذهب في ترويج ذاته، ويقدم جميع الأدلة والبراهين على امتلائه بالأفكار والأشياء والإنجازات، وهو، في الحقيقة، خالي الوفاض إلا من القدرة على "التسويق" وأنت، في النهاية" في حيرة من أمرك للإمساك به فلا تستطيع، فليست له أخطاء تركها، أو إنجازات حققها.
هذا الإنسان المتسم بهذه الصفات يختلف عمن يأخذ الحياة بالجدية اللازمة فيصل إلى قناعة اليوم تختلف عن قناعة الأمس، ولأنه دائم البحث عن الحقيقة يصل إلى حقيقة جديدة قد يستكين إليها مؤقتاً أفضل لديه من الحقيقة التي اقتنع بها مسبقاً، ولأنه أخلاقي في تعامله مع ذاته فإنه يعتنق الفكرة التي رأى فيها إمكانية الصواب عن سابقتها ولكي يكون صادقاً في محيطه الإنساني فإنه يفصح عن قناعاته الجديدة لمن يحيط به من الناس، وهنا تأتي مرحلة الالتباس، فعند التلقي تختلف طريقته بحسب فهم كل إنسان من المتلقين، بحسب أخلاقياته وفكره ومستواه العقلي، لنراه، عند القليلين، باحثاً عن الحقيقة، وعند الأكثرية متلوناً بحسب المصلحة، وتغير الأحوال، وهؤلاء الذين يرون فيه هذه الرؤية الأخيرة لا يستطيعون أن يروا غيرها، لأسباب تعود إلى طبيعة تكوينهم، وأسباب ترجع إلى المستوى الأخلاقي السائد في المجتمع؛ لأنهم لا يستطيعون تفسير شيء إلا من خلال المصلحة الشخصية، وتحديداً، المصلحة المادية، فما الفرق، إذن، بين الحربائية والبحث عن الحقيقة؟     

الاثنين، 4 فبراير 2013


ساراماجو.. أديب عاش بالذاكرة ومات مدافعاً عن القضايا العادلة
محمد إسماعيل اللباني
نشأ معجوناً بطين الأرض، وتربى في ظل ظروف أسرية صعبة، فلم ينس تلك المرحلة الأولى من حياته طوال عمره، حيث كان الأب مزارعاً بسيطاً لا يكفي دخله من الأرض التي يزرعها أساسيات حياته وحياة أبنائه، ثم بعد ذلك عمل شرطياً، فتحسنت أموره المادية، لكن ليس بالشكل الذي يسمح بتربية الابن تربية مرفهة. كانت ذكريات الريف البرتغالي قد مثلت له نبعاً صافياً متدفقاً في مراحل عمره التالية، والتي استطاع من خلال تلك الذاكرة أن يؤسس لمرحلة من النضج الإنساني والوعي الفكري، بناء على ذكريات طفولة مشبعة بالعديد من التجارب الغنية، فكانت ذاكرته هي أداته التي تمثل محور الارتكاز والتي يعمل من خلالها على مواجهة الحياة والتعامل معها، فأخذ يكافح سخف العالم المحيط به من خلال ذاكرة أبسط ما يقال عنها إنها ذاكرة لا تلين.. إنه جوزيه ساراماجو الأديب البرتغالي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1998م، وقد ولد عام 1922م، وتوفي يوم الجمعة في الـ 18 من يونيو 2010م، بعد عمر من الكتابة الأدبية والمشاركة في السياسة والعمل العام وإثارة الجدل.
صانع أقفال
يُذكر دائماً أنه بدأ حياة مهنية بسيطة، فقد عمل كميكانيكي وصانع أقفال، وفي الحقيقة أن هذه المهنة لم تكن، كما نعتقدها، دليلاً على تدنٍ كامل في حياته الاجتماعية الأسرية أو تواضع في قدراته الذهنية في الدراسة، بل كانت تخصصاً دراسياً، حيث كان ساراماجو متفوقاً في دراسته، ولكن المدرسة التي كانت متاحة له، أو متاحة ربما للمتواضعين في الدخل الاقتصادي، أو بحسب المنطقة الجغرافية التي تنتمي إليها أسرته وقتها، هي المدارس المهنية. فالتحق بمدرسة صناعية، وتخصص دراسياً في صناعة الأقفال، يقول ساراماجو عن هذه الفترة: "انتقلت من "ليسيه جيل فيسنتي" إلى مدرسة ألفونسو دومينجيس الصناعية بخبريجاس، وكنت أبذل قصارى جهدي لأتعلم البرتغالية، والرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وتصميم الماكينات، والميكانيكا، والتاريخ، بالإضافة لتعلم شيء من الفرنسية والآداب (في هذا الزمن، وليصبكم الذهول، كانت الفرنسية والآداب تدرس في المدارس الصناعية..)".(1)
ولكن الخطأ الذي يقع فيه كثير ممن يتحدثون عن سيرة حياة ساراماجو في الصحافة العربية يعتقدون أنه ترك الدراسة ليعمل بالميكانيكا وصناعة الأقفال، ولكن الحقيقة أنه اشتغل بالميكانيكا وصناعة الأقفال بناء على تخصصه الدراسي، ثم انتقل للعمل بالصحافة وبعد ذلك في الترجمة، ومن ثم تفرغ للكتابة الأدبية.
ولد ساراماجو في تلك القرية الصغيرة المتواضعة التي تُدعى "أزينهاجا" وتقع في وسط البرتغال، ولا يفوته أن يلفت النظر إلى مصدر اشتقاق الكلمة فيقول إنها مصطلح مشتق من الكلمة العربية: الزنقة (الشارع الضيق)، كما يشير إلى أن جده الكبير كان عربياً (يقصد أباه لجده مباشرة)، وعن مكان ميلاده الأول يقول: "كما لو كان محل ميلادي الأول جاء نتيجة خطأ من أخطاء الصدفة أو شرود القدر، الذي كان بيده أن يصحح خطأه، لكن ذلك لم يحدث..".(2)
وهو بذلك يمهد لتوضيح سرعة انتقال الأسرة للشبونة، لكنه ظل وفياً لمسقط رأسه ولمكان مولده، وخاصة أن بقية أفراع العائلة ظلت مقيمة في هذه القرية.
أما عن اسمه فيعده أحد الأخطاء الأخرى التي كان له نصيب منها في الحياة، فيقول عن اسمه الأخير: "فساراماجو هذا ليس لقب أبي، وإنما اسم الشهرة الذي عُرفت به عائلتي في القرية. فعندما ذهب أبي إلى سجل جوليجا المدني ليسجل ميلاد ابنه الثاني حدث أن الموظف (وكان يدعى سليفينو) كان سكراناً وغاضباً (ظل أبي يتهمه بذلك دائماً) وتحت تأثير الكحول وبدون أن يلاحظ أحد تزوير الاسم، قرر، على هواه ومن تلقاء ذاته، أن يضيف اسم ساراماجو إلى الاسم المقتضب: جوزيه دي سوسا، الذي كان أبي يطمح أن أحمله. ثم يضيف ساخراً: "وأخيراً، فإنه بهذه الطريقة، وبفضل تدخل كل الأنوار الإلهية، أقصد بالطبع الإله باكو، إله الخمر وكل هؤلاء الذين يتجاوزون الحدود المعقولة عند شربه، لم أكن في حاجة إلى اسم مستعار لأوقع في المستقبل كتبي، كان من حظي، هذا الحظ السعيد، أنني لم أولد في واحدة من عائلات أزينهاجا التي وجب عليها في هذا الوقت وخلال سنوات طوال، أن يحاربوا أسماء شهرتهم البغيضة مثل بيتشاتادا، كولوروتو كارالهادا".(3)
غذاء الذاكرة
مثلت الذاكرة غذاء حياً لساراماجو، الذي ظل دائم البحث والتنقيب عن محتوياتها ليكتب رواياته، كما كانت أساساً لصنع شخصيته وتطور تركيبتها الإنسانية، وقد اتضح ذلك من خلال كتابة سيرته الذاتية "الذكريات الصغيرة"، فمن العبارات التي تعبر عن أهمية التركيز على الذاكرة لديه، تكرار العبارات: "إن لم تخني الذاكرة".. "إن لم تكن ذاكرتي مزيفة".. إن "كان اعتقادي صحيحاً"، لكن ما يؤكد أن ذاكرته التي يتشكك فيها كانت قوية بشكل أكثر نسبياً من المعتاد أنه يذكر صراحة، ومن خلال عدة أحداث أنه يرجع إلى ذاكرته الفضل في التفوق الدراسي في سنواته الأولى وفي مراحل الدراسة المتوسطة، كما يقول ساراماجو متحرياً عن دقة ذاكرته: "قد تسألونني كيف أنا مطلع على كل هذه التفاصيل بعد مرور كل هذا الزمن. القصة طويلة لكن يمكن تلخيصها في عبارات قليلة. عندما واتتني منذ فترة طويلة فكرة كتابة ذكريات وتجارب الفترة التي كنت فيها صغيراً، عبر بخاطري أنني يجب أن أتحدث عن موت أخي فرانسيسكو. (لأن الحياة التي عاشها كانت قليلة). ومنذ الأبد وأنا أسمع عائلتي تقول إنه قد مات في معهد "كامارا بيستانا البكتيريولوجي"، نتيجة خناق دفتريائي. بادئاً التقصي، كتبت لمعهد كامارا بيستانا الذين لطفاً أجابوني بأن أرشيفاتهم ليس بها دخول أي طفل ذي أربعة أعوام باسم فرانسيسكو سوسا. وأرسلوا لي، أظن كتعويض عن خيبة الأمل التي سببوها لي، صورة من تقييد قبولي في يوم أبريل سنة 1928 (وتم خروجي في 11 من نفس الشهر)، باسم جوزيه سوسا".(4)
وبعد ذلك يظل الكاتب باحثاً عن أخيه في سجلات السجل المدني أو سجلات قيد المواليد، ليلفت إلى أن هذه التجربة قد أفادته في كتابة رواية "كل الأسماء"، وأنها لم تكن لتظهر بالشكل الذي ظهرت عليه لولا انغماسة في أرشيفات السجلات المدنية.
فترة الانقطاع
كثير من الأدباء يمرون بفترة من الانقطاع عن الكتابة، وهذه الفترة قد تكون لمراجعة الذات أو لتحقيق شكل آخر من أشكال الإنتاج الأدبي الذي أنتجوه قبلها والانطلاق إلى مرحلة جديدة، وقد تكون في الغالب رغبة في العودة للذات بعد خروجها للآخرين في أعمال أدبية تمثل قطعة من ذات الأديب ومن كيانه، فيعود إلى ذاته راغباً في لملمة شتاتها الذي تبعثر من خلال نشر عدد من أعماله بين الناس، وهناك الكثير من الأسباب التي سيقت لتفسير هذه الظاهرة التي تكررت عند كثير من الكتاب والأدباء، فنجيب محفوظ مثلاً مر بهذه الفترة وسئل عنها كثيراً، ولكنه تحدث عنها باقتضاب، لأنها فترة، في المحصلة النهائية، صعبة التفسير، ولكن جوزيه ساراماجو طالت فترة انقطاعه أكثر من المعتاد، فقد نشر رواية "أرض الخطيئة" عام 1947م، ثم توقف عن الكتابة لمدة تقترب من العشرين عاماً!! فهل كانت مراجعة للذات أم كانت تراجعاً عن مجال أدبي لم يجد ذاته فيه، وخاصة أنه عاد لعالم الكتابة الأدبية عام 1966 بنشر ديوان شعري بعنوان "قصائد محتملة"؟!
وبعد ذلك تدفقت أعماله الروائية التي نال عنها شهرته العالمية، ومنها: "العمي:، و"عام على وفاة ريكاردوريس"، و"قصة حصار لشبونة"، والرجل المنسوخ"، و"انقطاعات الموت"، و"الطوق الحجري"، وآخر رواياته كانت رواية "رحلة الفيلة"، وقد كانت قضية الإنسان مع الحياة ومعضلاتها هي شغله الدائم في أعماله، واستطاع أن يقدم تنويعات سردية على مستوى عال من الفنية التي تجمع بين السردية الكلاسيكية والأساليب الحداثية والتجريبية المختلفة.
مشاركة فاعلة
لم يكن ساراماجو أديباً منطوياً على عالمه الأدبي، بل كان عضواً سياسياً فاعلاً في مجتمعه، ففي عام 1959م انضم للحزب الشيوعي البرتغالي، وظل عضواً به حتى آخر أيام حياته، وقد عايش فترة الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939م) المتزامنة مع فترة حكم الدكتاتور العسكري فرانسيسكو فرانكو، وكانت البرتغال ذات ارتباط عضوي تاريخي مع إسبانيا إضافة إلى ما شهده في عام 1974م، عندما أطاح انقلاب عسكري بالدكتاتورية الحاكمة في بلاده، كما كانت البرتغال إحدى الدول الاستعمارية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والتي تنازلت عن آخر مستعمراتها في أنجولا وموزمبيق بعد الإطاحة بالحكم الديكتاتوري فيها. كلها أحداث شهدها ساراماجو، ومثلت مادة خصبة لعالمه الأدبي، إضافة لما شهدته حياته الأسرية من تقلبات وانتقالات وتعدد في خبرات الحياة التي أتاحت له فرصاً عديدة لمطالعة عوالم إنسانية مختلفة ومعايشة تجارب حياتية أثرت عالمه الأدبي، كما أثرت حياته الفكرية ونوعت من زوايا نظرته لمختلف شؤون الحياة.
يعود جوزيه ساراماجو إلى فترة القرية متحدثاً عنها بالقول: "كانت هذه القرية الفقيرة والخشنة المحاطة بالخضرة والمياه، ذات البيوت المنخفضة الملتفة باللون الرماضي المفضض لأشجار الزيتون المحروقة بهجير الصيف وقسوة الشتاء القارص، الغارقة بمياه الفيضان الذي يصل لأبواب بيوتها، كانت هذه القرية هي المهد الذي اكتمل فيه تكويني، كانت الكيس الذي بداخله كونت النطفة الصغيرة نفسها بكل خيرها وشرها، وحققت ذلك في صمت وسرية وعزلة".(5)
إثارة الجدل
قال عند حصوله على جائزة نوبل: "لو مت في الستين من عمري لم يكن لأحد أن يسمع عني". فقد تأكدت موهبته الأدبية للمجتمع البرتغالي بشكل خاص وللعالم بشكل عام من خلال شهرته المتأخرة، حيث لم يكرس في الأوساط الأدبية إلا عام 1982م عندما نشر روايته "بالتزار وبليموندا"، وكان حصوله على جائزة نوبل في الآداب سبباً مهماً في اتجاه الأنظار إليه، وأصبحت كتاباته وآرائه محل اهتمام من جانب العديد من الجهات فعندما نظر أصحاب الفكر المسيحي المحافظ في روايته "الإنجيل بحسب يسوع المسيح" واجهوها باستهجان كبير، وخاصة من قِبل الكنيسة الكاثوليكية البرتغالية وكذلك استُنكرت من قِبل الفاتيكان، رغم ما لاقته من نجاح لافت على مستوى العالم. ولم تكن كتاباته الأدبية فقط هي التي تثير الجدل، بل كانت مواقفه السياسية موضع خلاف عالمي، حيث كانت نظرته للقضايا العربية مخالفة تماماً للتيار العام العالمي الذي تسيطر عليه صناعة الإعلام المتحيز للممارسات الاستعمارية في فلسطين، فقد وقف بجانب الحق الفلسطيني في التخلص من الاحتلال، ووصف أحوال الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال "الإسرائيلي" بأنها مثل معسكرات "أوشفيتز" التي كانت ألمانيا في عهد النازية قد أقامتها أثناء الحتلال النازي لبولندا، وكان هو الحل الأخير، كما رأى وزير الداخلية الألماني وقتها، لوضع حد للمسألة اليهودية، حيث كان الإعدام فيه يتم من خلال غرف الغاز، وبالطبع لم تكن آراء مثل هذه لتمر دون أن تثير عليه المتاعب وتجر عليه الغضب من أطراف كثيرة،
وكانت آخر المتاعب التي تعرض لها عندما استثنت حكومة البرتغال روايته "الإنجيل بحسب يسوع المسيح" من مجمل أعماله أثناء ترشيحه لجائزة أدبية عام 1992م، فرحل إلى أسبانيا، وظل مقيماً بها حتى لحظات حياته الأخيرة.
من أقوله:
إذا كنا نحكم على العبارات القولية المختصرة بأنها نتيجة لخبرة الحياة، وعصارة التفكير، وهي المؤشر على ما وصل إليه الإنسان في الحياة من تجارب عديدة، وتراكمات لتطوير الذات من خلال الغوص في حقائق الحياة والإنسان، فإن هذا الحكم أكثر ما ينطبق على جوزيه ساراماجو الذي يقول:
ـ للهزيمة وجه حسن: إنها غير نهائية، وللانتصار وجه قبيح: إنه دائماً نهائي.
ـ الرجل المعاصر له ثلاثة أمراض: عدم الاتصال، والثورة التكنولوجية، والحياة المركزة في نجاحه الشخصي.
ـ ما نحن إلا ذكرياتنا والمسؤولية التي نتحملها، فمن غير ذكرى لا وجود لنا، ومن غير مسؤولية لا نستحق الحياة.
ـ داخل كل منا شيء لا اسم له، هذا الشيء هو نحن أنفسنا.
ـ أعتقد أننا جميعاً عميان، عميان نستطيع أن نرى، لكننا لا ننظر.
ـ هناك من يقضي حياته كاملة في القراءة دون أن يحقق شيئاً أبعد من ذلك.. فلا يدرك أن الكلمات ما هي سوى أحجار مرصوصة لنعبر من خلالها للضفة الأخرى من النهر.. وهذه الضفة هي الأهم.
ـــــــــــــــ
(1) صـ 162 ـ الذكريات الصغيرة ـ جوزيه ساراماجو ـ ت: أحمد عبد اللطيف ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 2008م.
(2) صـ 18 ـ المصدر السابق.
(3) صـ 57 ـ المصدر السابق.
(4) صـ 142 ـ المصدر السابق.
(5) صـ 19 ـ المصدر السابق.