الاثنين، 14 نوفمبر 2011

طه حسين.. كفيف يرشد المبصرين إلى أنوار العلم والمعرفة

  لو نظرنا في حياته كدليل على رحلة الكفاح في مواجهة صعوبات الحياة لكانت مثالاً يحتذى لكثير من الناس، فقد كان قدوة ومثالاً يستحق أن يفكر فيه كل من يجد من الصعوبات أقل مما واجهه ويقعد عن العمل والسعي.. أما عن تحصيل العلم فتستحق حياته أن تُتخذ مثالاً عليه، سواء للمبصرين أو المكفوفين، فقد كان نموذجاً يستحق أن يقتدي به الجميع في تحصيل العلم والمعرفة.. كان أستاذاً جامعياً يحمل همَّ مجتمعه ويدافع عن حقه في الرفعة والنهضة، واستحق أن يكون مثالاً محرضاً لكل أستاذ جامعي تقعده إرادته عن النظر لما حوله، والاكتفاء بالتدريس داخل أسوار الجامعة، دون أن يتطلع لحل مشكلات مجتمعه أو ينظر خارج أسوار جامعته، التي يكتفي بها وكأنه "موظف علمي" يوصل محتوى العلم لطلابه ولا يعرف شيئاً عن تأثيره في المجتمع.. إنه طه حسين الذي شغل الناس في القرن العشرين واختلفت فيه الآراء وتعددت منه المواقف، بين محب شديد الحب له، ينسب إليه أفضل الصفات والسمات، وبين كاره ومتهم له بأشنع الأخلاق، وبين هذا وذاك يكون دائماً مصير العظماء الذين لا يقعون في "منطقة وسط" ويحلقون دائماً في الأعالي.
محمد اللباني: أصداء فلكية
معاناة البداية
  نشأ طه حسين نشأة فيها من المعاناة أكثر مما فيها من الراحة والطمأنينة، وتعددت صور المعاناة في حياته بما يكفي لتدمير الإرادة مهما كانت قوتها، وبما يدمر كل رغبات الارتقاء مهما كانت قدرتها. وقد صور بنفسه ذلك في سيرته الذاتية، بأسلوبه الراقي وتعبيره المميز، وقدرته على الوصف والتحليل. وأتى كتابه "الأيام" ليكون نقلة أدبية في تاريخ الرواية العربية عموماً، وفي تاريخ كتابة السيرة الذاتية بشكل خاص، ففي هذه السيرة الذاتية يحدثنا عن معاناته التي تضمنت مستويات متعددة من المعاناة.. معاناة من ألم فقد البصر منذ الصغر (في الثالثة من عمره)، ومعاناة التعلم في الكتّاب على يد معلم التحفيظ الذي لم تكن تصرفاته فوق مستوى الشبهات، وكان يمتلك من القسوة والتفرقة في المعاملة بين مختلف الطلاب على حساب عطاء أهلهم المادي ما جعله ينفر منه، ومن تابعه "العريف" أو المساعد الذي لم يكن أفضل منه بشكل من الأشكال. ومعاناة أخرى هي التمزق بين الرغبة في العلم والمعرفة وصعوبة الوصول لها بالطريق الذي يتمنى ويرغب، فقد كانت أمنيته في الرحيل إلى القاهرة والدراسة في الأزهر هي الأمنية التي ملكت عليه منافذ تفكيره ورغبته، ومما شجعه على ذلك أخوه الأكبر الذي كان يدرس في الأزهر، فقد كان طه حسين فرداً في كتيبة من الأبناء تتكون من 13 فرداً، ولم يكن لطفل في هذه المجموعة أن ينال من الرعاية ما يكفي، لكن طه حسين نفسه كان يرى أنه يعامل معاملة مميزة؛ نظراً لوضعه الخاص من الناحية الصحية، وبالطبع كانت هذه المعاملة التي رآها مميزة في صغره لم تكن مميزة بالفعل إلا بالنظر إلى حال أخوته وظروفهم الصعبة.
  يعيش مع ذاته منفرداً في طفولته، يستمع إلى ألحان شاعر الربابة حيناً، وإلى أغنيات الفتيات العائدات من الترعة عندما يجلبن الماء أحياناً، ويستمع إلى أصوات الخوف كما يسمع بشائر الفرح والغبطة، فقد اتخذ من أذنه وسيلة أساسية لاستيعاب العالم من حوله، ولم يجد غير الاستماع ممارسة يستطيع بها أن يشعر بما حوله ويتجاوب معه. واستطاعت ذاكرته أن تحفظ وتعي الكثير من مناقشات من يعدون أنفسهم علماء قريته أو القرى المحيطة، والذين كانوا يأتون لمجلس والده أو يستمع إليهم في محاوراتهم في أماكن أخرى. يقول عن نفسه متحدثاً عن فترة ما قبل الأزهر: "وكان صبينا يختلف بين هؤلاء العلماء جميعاً، ويأخذ عنهم جميعاً، حتى اجتمع له من ذلك مقدار من العلم ضخم مختلف مضطرب متناقض، ما أحسب إلا أنه عمل عملاً غير قليل في تكوين عقله الذي لم يخلُ من اضطراب واختلاف وتناقض".
الأزهر ومحاولة للفهم
  بعد مراحل من المعاناة وصل طه حسين إلى الأزهر واستمع إلى شيوخه فكانت صدمته بهؤلاء الشيوخ لا تقل عن صدمته بشيخ الكُتّاب الذي كان يحفظ عنده القرآن الكريم، ولكنها كانت صدمة من نوع آخر، لقد كانت صدمته من طريقة التعليم القائمة على التلقين، والبعيدة كل البعد عن التفكير وإبداء الرأي، فكثيراً ما تصادم مع معلميه في الأزهر على أساس رغبته في أن يفهم ما يسمع، ويناقش فيما يتعلم، لكن أمنيته في التعلم بهذه الطريقة تبددت هباء مع كثير من الأمنيات التي تبددت في حياته، فقد كانت العقول لا تستوعب ما يفكر فيه ولا ترضى بغير طريقة الحفظ والتلقين والنقل، وكأن العقل لم يخلق للإنسان كي يفكر به، بل خلق كي يحفظ من خلاله ما قاله الآخرون. لا يعني ذلك أن طه حسين كان الوحيد من بين زملائه الدارسين الذي يتمنى إبداء الرأي والتفكير، لكن يعني أنه كان الأكثر عزماً وإصراراً في تحقيق ما يتمناه من أسلوب في التعليم يقدم له ما يتمنى من ترقية ذهنية وعقلية. مرت عليه أيام الأزهر بحلوها ومرها، وكان رغم ذلك لا يكتفي بدروسه بل كان متنقلاً مثل الفراشة بين مختلف الزهور، فيذهب إلى مختلف الدروس ليستطيع تلقي العلم على كل الشيوخ.
يتحدث عن الصعوبات التي قابلته في حياته الجديدة في الأزهر قائلاً: "لا يستطيع أن يطلب إلى أخيه الإذن له بأن يحضر مجلس هؤلاء الشباب، ويستمتع بما فيه من لذة العقل والجسم معاً. لا يستطيع أن يطلب ذلك؛ فأبغض شيء إليه أن يطلب إلى أحد شيئاً. ولو قد طلب إلى أخيه لرده عنه رداً رفيقاً أو عنيفاً، ولكنه مؤلم له، مؤذٍ لنفسه على كل حال. فالخير أن يملك على نفسه أمرها، ويكتم حاجة عقله إلى العلم، وحاجة أذنه إلى الحديث، وحاجة جسمه إلى الشاي، ويظل قابعاً في مجلسه مطرقاً مغرقاً في تفكيره". فقد كانت لفترة الدراسة بالأزهر صعوباتها الخاصة بها، لكنه لم يترك شاردة أو واردة تمر على أذنه إلا سجلها في ذاكرته، واستطاع من خلال ذاكرته الواعية أن يقدم "نماذج بشرية" في صورة سردية محكمة لكثير من الدارسين في الأزهر، فمنهم من كان يسعى لطلب العلم باجتهاد وإخلاص، ومنهم من كان يبحث عن شهادة يتفاخر بها اجتماعياً، وثالث يبحث عن العائد المادي الذي يستفيد به إذا حصل على شهادة "العالمية" من الأزهر، والعالمية هو اسم الشهادة العليا بالأزهر والتي كانت تؤهل الحاصل عليها للتدريس بالأزهر، ولم يتوقف عند ذلك بل وصف حالة الحارة المصرية التي كان يعيش فيها في سكنه مع زملائه الأزهريين، ورصد أنماطاً من الشخصيات والطباع وأساليب الحياة والعيش في تلك المناطق الفقيرة على المستوى المادي، لكنها غنية على المستوى الإنساني.
الابتعاث للخارج
  سمع خبراً عن حاجة الجامعة المصرية لابتعاث دارسين إلى الخارج للدراسات العليا في أوروبا، وكان من غير المتصور أن يتقدم لها أحد المكفوفين، إضافة لعدم إجادته للغة الفرنسية، فشروط التقدم من الناحيتين العلمية والصحية لم تكن تنطبق على طه حسين، لكن شروط الطموح العلمي والتطلع للارتقاء في مجالات العلم والمعرفة كانت تنطبق عليه تماماً، وقد يكون لديه منها ما يزيد عن المطلوب. يتحدث عن هذه الواقعة في كتابه "الأيام" ليذكر أنه قد أرسل خطابين إلى رئيس الجامعة قوبلا بالرفض في كل مرة، لكن رأفة به ورغبة من مجلس الجامعة في التخلي عن رفضهم دون جرح مشاعره وعده المجلس بالنظر في طلبه العام التالي، بعد أن يكون قد تحسن مستواه في اللغة الفرنسية أو حصل على شهادة العالمية (الدكتوراه) من الأزهر، وإذا به يفاجِئ إدارة الجامعة في العام التالي بالحصول على شهادة العالمية مع تحسن في مستواه في اللغة الفرنسية، فما كان منهم إلا الموافقة على طلبه مضطرين؛ نظراً لما وعدوه به قبل ذلك، وبسبب قطعه كل سبل الرفض التي كانوا يدعونها قبل ذلك.
مشروعه الفكري
  لو أردنا أن نلقي ضوءاً، ولو قليلاً، على المشروع الفكري لطه حسين لضاق المجال عن ذلك، فقد تعددت وتنوعت اهتماماته الفكرية والأدبية فغطت الكثير من قضايا الأدب والفكر في التراث العربي، وطريقته في رؤية هذا الأدب وتقييمه، واستنتاج حياة القدماء من خلاله، وقد يتساءل متسائل، وما الجانب المؤثر في حديثه عن القدماء وعن تراثهم وأدبهم ومجتمعهم؟ ستتضح الإجابة من خلال كتابات طه حسين ذاته، حيث يأخذك طه حسين في كتابته في رحلة شيقة يربط فيها بين الحاضر والماضي، ومن خلال تفسير كثير من قضايا الحاضر من خلال العودة بها إلى التراث، والبحث عن طبقات هذا التراث وتراكمها في أنفسنا وحياتنا وكيف تؤثر علينا، فكان يقرأ الماضي وذهنه منشغل بالحاضر، ويتحدث عن الواقع وفكره مهتم بالماضي، يبحث عن التأثيرات المتبادلة بين عصر وآخر، يأخذ الفكرة الواحدة فيتجول بها بين أروقة التاريخ ليصل إلى بذورها الأولى وتغيرات العصور بها وتبدلاتها مع الواقع الاجتماعي إلى أن وصلت لشكلها وصورتها الحالية، فيدهش القارئ لصبره على هذا التتبع والقدرة على التركيز الذهني والفكري الذي يستطيع من خلاله أن "يفكك" ويبسط أعقد الأفكار وأصعب القضايا.
  فتعددت اهتماماته من موضوعات في النقد الأدبي وطريقة قراءة الشعر والنثر ورؤيته في هذه القراءة إلى وسائل التعرف على جودة الأدب وقدرة الأديب على التأثير في واقعه المحيط به وفي مَن يقرأ له، حيث يأخذ طه حسين بيد القارئ خطوة بخطوة نحو فهم الأدب ومعرفته وفهم القضايا الفكرية والاستفادة منها، فيبدأ القارئ في رؤية الأعمال الأدبية، سواء الشعرية أو النثرية، رؤية أخرى لم يعتد أن تكون هي طريقته التي يرى بها. فطه حسين يجعل من قارئه، الذي يفهمه جيداً، إنساناً آخر في الفهم والرؤية وطريقة تحليل الأمور، فسواء اتفقت معه كقارئ أو اختلفت فإنه سيغير من طريقتك في التفكير، ويعدل من مستوى رؤيتك للأمور.
  كتب في التاريخ الإسلامي "على هامش السيرة" فكان أسلوبه فريداً في طريقة العرض الروائي لأحداث السيرة النبوية، فقد استوعبها طه حسين جيداً وقرأها مرات ومرات من كتب القدماء، ثم أملاها بأسلوبه السلس وبطريقته التعبيرية المتميزة، فكانت السيرة النبوية في كتابه كأنها رواية مكتوبة في العصر الحديث، بكل عناصر الرواية من شخصيات وأحداث وزمان ومكان، وكان هدفه من ذلك أن يعمل على تقريب السيرة من أذهان الناس الذين لا يستطيعون قراءة السيرة في مصادرها الأصلية أو لا يقدرون على قراءتها، أو يقدرون ولكنهم لا يصبرون على أسلوب كتابة القدماء وطريقتهم في رصد الأحداث والوقائع، يقول طه حسين في مقدمة الكتاب: "فليس في هذا الكتاب إذاً تكلف ولا تصنع، ولا محاولة للإجادة، ولا اجتناب للتقصير، وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما أجد من الشعور حين أقرأ هذه الكتب التي لا أعدل بها كتباً أخرى مهما تكن، والتي لا أمل من قراءتها والأنس إليها، والتي لا ينقضي حبي لها وإعجابي بها، وحرصي على أن يقرأها الناس. ولكن الناس مع الأسف لا يقرؤونها؛ لأنهم لا يريدون أو لأنهم لا يستطيعون. فإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبب إلى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة، وكتب الأدب العربي القديم عامة، والتماس المتاع الفني في صحفها الخصبة، فأنا سعيد حقاً، موفق حقاً لأحب الأشياء إلىّ، وآثرها عندي".
المثقف والسلطة
  دائماً ما نجد العلاقة بين المثقف والسلطة تمثل حالة من حالات الالتباس وسوء الفهم في مجتمعاتنا، حيث يمثل المثقف جانباً من جوانب "الإزعاج" للسلطة، فتحاول أن تستوعبه في أية صورة من الصور التي تصب في مصلحته الشخصية، فتقدم له المكانة أو الوظيفة التي تجعله يتحول إلى تابعٍ لها في فكره وسلوكه، لكن ما حدث لطه حسين كان على العكس تماماً من هذه القاعدة، فقد استفاد من السلطة في تحقيق مشروعه الفكري والثقافي أكثر مما استفادت منه السلطة في تثبيت دعائمها وقوتها.
  وصل طه حسين إلى مرتبة رفيعة من مراتب السلطة، وخاصة في المجال العلمي الجامعي، فأسس جامعة الإسكندرية، التي عدت إضافة نوعية وكمية للتعليم الجامعي في عصره، واتجه إلى المجتمع فأنشأ المجلس الأعلى للثقافة، وقام من خلاله بكثير من المشروعات الثقافية التي أحدثت أثراً واضحاً في المجتمع بما قدمته من "خدمة" ثقافية للجميع، وعندما أصبح وزيراً للمعارف عمل على تطبيق مشروع عمره، وهو "جعل التعليم كالماء والهواء" للجميع، ونجح في تطبيق مجانية التعليم لجميع المصريين؛ مما أحدث نقلة نوعية في حياة مصر ما قبل الثورة، وسمح لكثير من الفئات أن تنال تعليماً لا يقل في جودته عما كان يحصل عليه أبناء الأغنياء ويقتصر عليهم، فتكونت قاعدة من المثقفين والمفكرين وأساتذة الجامعات من فئات الطبقة الوسطى التي كانت تنتظر دورها في المجتمع، ولم تستطع القيام به إلا عند تحقيق مجانية التعليم، التي أفسحت المجال واسعاً أمام استقطاب مجهودات تلك الفئات التي كانت محرومة من المشاركة في المجتمع، رغم طاقتها العالية وهمتها في المشاركة المجتمعية.
في الشعر الجاهلي
  لم يكن لكتاب أن يحدث تلك الضجة التي أحدثها كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين لو كان موضوعه فقط هو الحديث عن الشعر الجاهلي، لكن ما أحدثه من ضجة وخلاف في العقد الثالث من القرن العشرين كان يعود إلى "المنهجية" العلمية التي يطرحها طه حسين في الكتاب. فلم تكن الدراسات الأدبية والفكرية في مجتمعاتنا التي تعودت على السائد والمتعود عليه من المناهج التراثية في الرؤية والنظر أن ترضى بتلك المنهجية التي أراد من خلالها طه حسين أن يحرك المياه الراكدة في الحياة العلمية العربية. وكل ما أراد أن يفعله هو أن يفك الاشتباك القائم بين الدين والعلم بطريقة تحفظ للدين مكانته، وتجعل العلم على بينة مما يفعل، ففرق في دراسة التاريخ بين المعتقد الديني الذي يحث الإنسان على الأخذ بالوقائع التاريخية موقع التسليم والإيمان بحسب ما ورد في الكتب الدينية، وبين دراسة التاريخ كعلم يحتاج إلى أدلة برهانية مادية وغير مادية يحتاج إليها العالِم لكي يسمى علمه علماً، وبدون تلك الأدلة "العلمية" لا يمكن أن يسمى علماً، بل يمكن أن تعد الأحداث التاريخية أو الوقائع التاريخية الواردة في النصوص الدينية موضوعات إيمانية تقوم على التسليم بصحتها، لكنها لا تلزم العالِم الذي يجب أن يتجرد من عقيدته الدينية عند القيام ببحثه التاريخي أو عند القيام بممارساته العلمية التي يجب أن يتجرد فيها من جميع العواطف والمصادرات الأولية، بما فيها المعتقدات الدينية.
  لم يكن ذلك المنهج العلمي إلا صدمة أصابت الأوساط المحافظة والتراثية والعقول المتحجرة التي لا ترى الحقيقة إلا من جانب واحد، ولا تستطيع أن ترى وجهاً آخر للحقيقة مهما تعددت وجوهها، ومهما اختلفت زوايا النظر أو التحليل؛ لذلك قامت قيامتهم على الكتاب، ودخلت السياسة وتصفية الحسابات السياسية طرفاً في الموضوع، كما يحدث دائماً، أو كما حدث في أحداث مصادرة الكتب أو الثورة عليها بعد ذلك وطوال القرن العشرين، فقد عم السخط والغضب على الكتاب وعلى صاحب الكتاب مبتدئين بتقديم بلاغ للنائب العام متهمين طه حسين بالخروج عن الدين، وتتداعى الأحداث وتجرى التحقيقات... لكن كانت المفاجأة التي صدمت كل الاتجاهات المتعصبة للقديم، فقط لأنه قديم، والتي لا ترى غير رأيها، وذلك في قرار وكيل نيابة مصر وقتها محمد نور الذي أبدع في صياغة وثيقة أدبية في غاية الدقة من حيث إلمامه بالموضوع وسعة ثقافته وإحاطته بالقضية بشكل عام، فيتحدث فيها عن الجوانب الفكرية والعلمية والقانونية للقضية، ثم يختتم مذكرته قائلاً: "إن للمؤلف فضلاً لا ينكر في سلوكه طريقاً جديداً للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين... وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل إن العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه قد أوردها في سبيل البحث العلمي مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها... وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر.. "فلذلك" تحفظ الأوراق إدارياً... محمد نور رئيس نيابة مصر.
  ويرحل طه حسين، عام 1973م، مخلفاً وراءه تراثاً فكرياً وأدبياً ضخماً، والأهم من ذلك أنه رحل مخلفاً أجيالاً من الذين استفادوا من تجربة مجانية التعليم التي كافح من أجلها، إضافة لعدد من الذين حملوا أفكار التنوير التي قدمها، ويكافحون قوى الظلام الفكري في سبيل تقديمها لمجتمعهم؛ بهدف منح العقل مكانته التي يستحقها في الفكر والأدب والمجتمع.